قلت : وذلك لمّا روى أنّ اللّه سبحانه وتعالى يقول : « أنا عند المنكسرة قلوبهم من مخافتي » فيصير رجاؤه أولى في ذلك الوقت لانكسار قلبه وخوفه المتقدّم زمان الصّحّة والقوّة والإمكان ، ولذلك يقال لهم : (
أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا
) .
فإن قلت : أليس قد جاءت
شرح
فأما التقى الذي ترك ظاهر الاثم وباطنه وخفيه وجليه فالأصلح أن يعتدل خوفه ورجاؤه ، ولذلك قيل : لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا ، وروى أن عليا كرم اللّه وجهه قال لبعض ولده يعظه : يا بنى خف اللّه خوفا ترى أنك لو أتيته بحسنات أهل الأرض لم يتقبلها منك وارجه رجاء ترى أنك لو أتيته بسيئات أهل الأرض غفرها لك ، وكما أوصى لقمان لابنه فقال :
يا بنى خف اللّه خوفا لا تيأس فيه من رحمته وارجه رجاء لا تأمن من مكره ، وفي لفظ آخر :
وارجه رجاء أشد من خوفك ، فقال وكيف أستطيع ذلك وإنما لي قلب واحد ؟ . قال أما علمت أن المؤمن كذى قلبين يخاف بأحدهما ويرجو بالآخر . وفي القوت : وكان على رضى اللّه عنه يقول : عليكم بالنمط الأوسط يرجع إليه العالي ويرتفع عنه الداني . وهذا قول فصل غير شطط ولا هزل ، وهو طريق أهل السنة ومذهب أولى المعرفة فصدق الرجاء واعتدال الخوف به من حقيقة العلم باللّه ، والمؤمن حقا هو المعتدل بين الرجاء والخوف ، ولذلك قال عمر رضى اللّه عنه : لو نودي ليدخل النار كل الناس إلا رجلا واحدا لخشيت أن أكون أنا ذلك الرجل ، ولو نودي ليدخل الجنة كل الناس إلا رجلا واحدا لخشيت أن أكون أنا ذلك الرجل . رواه أبو نعيم في الحلية وهذا عبارة عن غاية الخوف والرجاء واعتدالهما مع الغلبة والاستيلاء ولكن على سبيل التقاوم والتساوي فمثل عمر رضى اللّه عنه ينبغي أن يستوى خوفه ورجاؤه . فأما العاصي إذا ظن أنه الرجل الذي استثنى من الذين أمروا بدخول النار كان دليلا على اغتراره