فإن قلت : فهل يكون أحدهما أرجح من الآخر أو أكثر ذكرا بحال ؟ فاعلم أنّ العبد إذا كان صحيحا قويّا فالخوف أولى به ، وإذا مرض وضعف لا سيّما إذا أشرف على الآخرة ، فالرّجاء أولى ، كذا سمعت العلماء يقولون .
شرح
من خوفه ، وإذا ظهر الرجاء كان العبد خائفا راجيا وظهرت منه أحكام الرجاء من مشاهدة تجلى الربوبية بوصف مرجو فوصف العبد به لأنه الأغلب عليه وبأن الخوف في رجائه ، ولذا قال صاحب القوت : ومن علامة صحة الرجاء في العبد كون الخوف باطنا في رجائه ، لأنه لما تحقق برجاء شئ خاف فوته لعظم المرجو في قلبه وشدة اغتباطه به فهو لا ينفك في حال رجائه من الخوف لفوت الرجاء ( فان قلت فهل يكون أحدهما ) أي الخوف والرجاء ( أرجح من الآخر أو أكثر ذكرا بحال ) من الأحوال ( فاعلم ) هداك اللّه تعالى ( أن العبد إذا كان صحيحا قويا فالخوف أولى به ) من الرجاء ( وإذا مرض وضعف لا سيما إذا أشرف على الآخرة ) بأن يقرب أجله ( فالرجاء أولى ) به من الخوف ( كذا ) أي مثل الجواب المذكور ( سمعت العلماء ) رحمهم اللّه ( يقولون ) وأما قول القائل الخوف أفضل أم الرجاء فهو سؤال فاسد فان أعمال المقامات إذا اتحدت فلا يصح التفاضل فيها إلا بأسبابها وأحوالها التي هي حواث على الأعمال ، بل يضاهى قول القائل الخبز أفضل أم الماء ؟ وجوابه أن يقال الخبز أفضل للجائع والماء أفضل للعطشان ، فان اجتمعا نظر إلى الأغلب ، فإن كان الجوع أغلب فالخبز أفضل وإن كان العطش أغلب فالماء أفضل وإن استويا فهما متساويان ، وهذا لأن ما يراد لمقصود ففضله يظهر بالإضافة إلى مقصوده لا إلى نفسه والخوف والرجاء دوءان يداوى بهما القلوب ففضلهما بحسب الداء الموجود فإن كان الغالب على القلب داء الأمن من مكر اللّه تعالى والاغترار به فالخوف أفضل ، وإن كان الأغلب هو اليأس والقنوط من رحمة اللّه تعالى فالرجاء أفضل ، وكذلك إن كان الغالب على العبد المعصية فالخوف أفضل ، ويجوز أن يقال مطلق الخوف الذي يراد لذاته هو أفضل مطلقا على التأويل الذي يقال فيه الخبز أفضل من السكنجبين ، إذ يعالج بالخبز مرض الجوع وبالسكنجبين مرض الصفراء ومرض الجوع أغلب وأكثر فالحاجة إلى الخبز أكثر فبهذا الاعتبار غلبة الخوف أفضل لأن المعاصي والاغترار على الخلق أغلب فالخوف يربط به زمام ابتهاج المحبين وانبساطهم عن الافراط إلى الاعتدال ، فان نظر إلى مطلع الخوف والرجاء فالرجاء أفضل لأنه مستقى من بحر الرحمة ومستقى الخوف من بحر الغضب وشتان بينهما ، لأن من لاحظ من صفات اللّه تعالى ما يقتضى اللطف والرحمة كانت المحبة عليه أغلب ، وموجبات الرحمة في الوجود أكثر من موجبات الغضب وليس وراء المحبة مقام ، لأنها من الغايات . وأما الخوف فمستنده الالتفات إلى الصفات التي تقتضى العنف فلا تمازجه المحبة مما زجتها للرجاء ، وعلى الجملة فما يراد لغيره ينبغي أن يستعمل فيه لفظ الأصلح لا لفظ الأفضل فنقول : أكثر الخلق الخوف لهم أصلح من الرجاء ، وذلك لأجل غلبة المعاصي وكثرة الاغترار