تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
« إنّ للّه تعالى مائة رحمة : فواحدة منها قسّمها بين الجنّ والإنس والبهائم ، فبها يتعاطفون ، وبها يتراحمون ؛ وادّخر منها تسعة وتسعين لنفسه ، ليرحم بها عباده يوم القيامة »
شرح
« إن للّه تعالى مائة رحمة ) قال العزيزي حصره في مائة على سبيل التمثيل وتسهيلا للفهم وتقليلا لما عند الخلق وتكثير الما عند اللّه سبحانه وتعالى . وأما مناسبة هذا العدد الخاص فقال ابن أبي جمرة : ثبت أن نار الآخرة تفضل نار الدنيا بتسعة وتسعين جزءا فإذا قوبل كل جزء برحمة زادت الرحمات ثلاثين جزءا ، فالرحمة في الآخرة أكثر من النقمة فيها ، ويؤيده قوله تعالى في الحديث القدسي « غليت رحمتي غضبى » انتهى . ويحتمل أن تكون مناسبة هذا الخاص لكونه مثل عدد درج الجنة والجنة هي محل الرحمة فكانت كل رحمة بإزاء درجة . وقد ثبت أنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة اللّه تعالى فمن نالته منها رحمة واحدة كان أدنى أهل الجنة منزلة وأعلاهم من حصلت له جميع أنواع الرحمة ، وهذه الرحمات كلها للمؤمنين بدليل قوله تعالى« وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً »وأما الكفار فلا يبقى لهم حظ في الرحمة لا من جنس رحمات الدنيا ولا غيرها ( فواحدة ) وهذه الرحمة الواحدة تعم كل موجود ( منها ) أي من المائة ( قسمها ) أي الواحدة ( بين الجن والإنس والبهائم فبها ) أي الرحمة الواحدة ( يتعاطفون وبها يتراحمون ، وادخر ) أي أمسك ( منها ) أي من المائة ( تسعة وتسعين ) رحمة ( لنفسه ) جل وعز ( ليرحم بها ) أي بالتسعة والتسعين ( عباده يوم القيامة » ) قال القرطبي : مقتضى هذا الحديث أن اللّه علم أنواع النعم التي ينعم بها على خلقه مائة نوع ، فأنعم عليهم في هذه الدنيا بنوع واحد انتظمت به مصالحهم وحصلت به منافعهم . فإذا كان يوم القيامة أكمل لعباده المؤمنين ما بقي فبلغت مائة رحمة ، فالرحمة التي في الدنيا يتراحمون بها أيضا يوم القيامة ويعطف بعضهم على بعض بها . وقال المهلب : الرحمة التي خلقها اللّه لعباده وجعلها في نفوسهم في الدنيا هي التي يتقاضون بها يوم القيامة التبعات بينهم ، وفي الحديث بشارة للمسلمين لأنه إذا حصل للانسان من رحمة واحدة في هذه الدار المبنية على الأكدار الإسلام والقرآن والصلاة والرحمة في قلبه وغير ذلك مما أنعم اللّه تعالى به فكيف الظن بمائة رحمة في الآخرة وهي دار القرار ودار الجزاء . قال العراقي : رواه مسلم من حديث أبي هريرة وسلمان وكذلك رواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة وفيه بعد قوله يتراحمون « وبها تعطف الوحش علي ولدها » ، ورواه البيهقي من حديث أبي هريرة بلفظ « إن للّه تعالى مائة رحمة قسم منها رحمة في دار الدنيا فمن ثم يعطف الرجل علي ولده والطير على فراخه فإذا كان يوم القيامة صيرها مائة رحمة فعاد بها على الخلق » ورواه الحاكم بلفظ « إن اللّه تعالى مائة رحمة قسم منها رحمة بين أهل الدنيا فوسعتهم إلى آجالهم وأخر تسعا وتسعين رحمة لأوليائه وإن اللّه قابض تلك الرحمة التي قسمها بين أهل الدنيا إلى التسع والتسعين فيكملها مائة رحمة لأوليائه يوم القيامة » وروى مسدد في مسنده من حديث سلمان بلفظ « إن للّه تعالى مائة رحمة منها رحمة تتراحم