تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
شرح
وذبح للطواغيت وقتل من خالفه ، وكان ينزل قرى الروم فلا يترك في قرية نزلها أحدا إلا فتنه عن دينه حتى يعبد الأصنام أو يقتله ، فلما نزل مدينة أصحاب الكهف واسمها أفسوس استخفى منه أهل الإيمان وهربوا في كل وجه ، فاتخذ شرطا من الكفار وأمرهم أن يتبعوهم فجعل أولئك الشرط يتبعون أهل الإيمان في أماكنهم ويخرجونهم إلى دقيانوس فيخيرهم بين القتل وبين عبادة الأصنام ، فمنهم من يرغب في الحياة ومنهم من يأبي أن يعبد غير اللّه فيقتل ؛ فلما رأى ذلك أهل الشدة في الإيمان جعلوا يسلمون أنفسهم للعذاب والقتل فيقتلون ويقطعون ويجعل ما قطع من أجسادهم على أسوار المدينة وأبوابها ، فلما عظمت الفتنة وكثرت ورأى ذلك الفتية حزنوا حزنا شديدا فقاموا واشتغلوا بالصلاة والصيام والصدقة والتسبيح والدعاء وكانوا من أشرف الروم وهم ثمانية نفر وبكوا وتضرعوا إلى اللّه عز وجل وجعلوا يقولون« رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً »اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة وارفع عنهم البلاء حتى يعلنوا عبادتك فبينما هم على ذلك وقد دخلوا مصلاهم أدركهم الشرط فوجدوهم سجودا يبكون ويتضرعون إلى اللّه عز وجل ، فقال لهم الشرط ما خلفكم عن أمر الملك ثم انطلقوا إلى الملك فأخبروه خبر الفتية فبعث إليهم ، فأتى بهم تفيض أعينهم من الدمع معفرة وجوههم بالتراب فقال لهم ما منعكم أن تشهدوا الذبح لآلهتنا التي نعبد في الأرض وتجعلوا أنفسكم أسوة أهل مدينتكم اختاروا إما أن تذبحوا لآلهتنا وإما أن أقتلكم ، فقال مكسلمينا وهو أكبرهم إن لنا إلها ملء السماوات والأرض عظمته لن ندعو من دونه إلها أبدا له الحمد والتكبير من أنفسنا خالصا أبدا إياه نعبد وإياه نسأل النجاة والخير ، فأما الطواغيت فلن نعبدها أبدا اصنع بنا ما بدا لك . وقال أصحابه مثل ذلك ، فلما سمع الملك كلامهم أمر بنزع ثيابهم وحلية كانت عليهم من الذهب والفضة وقال سأفرغ لكم وأنجز لكم ما أوعدتكم من العقوبة وما يمنعني أن أعجل ذلك لكم إلا أنى أراكم شبابا حديثة أسنانكم فلا أحب أن أهلككم حتى أجعل لكم أجلا تذكرون فيه فترجعون إلى عقولكم ، ثم أمر بهم فأخرجوا من عنده وانطلق دقيانوس إلى مدينة أخرى قريبة منهم لبعض أموره ، فلما رأى الفتية خروجه بادروا وخافوا إذا قدم أن يذكرهم فأتمروا بينهم واتفقوا على أن يأخذ كل واحد منهم نفقة من بيت أبيه فيتصدقوا منها ويتزودوا بما بقي ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة في جبل يقال له ينجلوس فيمكثوا فيه ويعبدوا اللّه إذا جاء دقيانوس أتوه فيصنع بهم ما يشاء ، فلما اتفقوا على ذلك عمد كل فتى منهم إلى بيت أبيه فأخذ نفقة فتصدق منها وانطلقوا بما بقي معهم واتبعهم كلب كان لهم حتى أتوا ذلك الكهف فمكثوا فيه . وقال كعب الأحبار : مروا بكلب فتبعهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك مرارا ، فقال الكلب ما تريدون منى لا تخشوا منى أنا أحب أحباب اللّه عز وجل فناموا حتى أحرسكم . وقال ابن عباس : هربوا من دقيانوس وكانوا سبعة فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم وتبعهم الكلب فخرجوا من البلد إلى الكهف . قال ابن عباس : فلبثوا فيه ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتحميد ابتغاء لوجه اللّه عز وجل وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم اسمه تمليخا فكان يبتاع لهم أرزاقهم من