تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
شرح
شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة فجلس فيه ثم خرج آخر فرآه جالسا وحده فرجا أن يكون على مثل أمره وجلس إليه من غير أن يظهر على أمره ، ثم خرج آخر فخرجوا جميعا فاجتمعوا ، فقال بعضهم لبعض : ما جمعكم وكل واحد يكتم إيمانه من صاحبه مخافة على نفسه ثم قالوا ليخرج كل فتيين فيخلوا ويفشى كل واحد سره إلى صاحبه ففعلوا ذلك فإذا هم جميعا على الإيمان وإذا الكهف في جبل عظيم قريب منهم ، فقال بعضهم لبعض « فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته » فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيد فناموا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا ، وفقدهم قومهم وطلبوهم فعمى اللّه عليهم آثارهم وكهفهم فكتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح : فلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم في شهر كذا في سنة كذا في مملكة فلان بن فلان الملك ووضعوا اللوح في خزانة الملك وقالوا ليكون لهؤلاء شأن ، ومات ذلك الملك وجاء قرن بعد قرن . قال محمد بن إسحاق : ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح ، يقال له بيدروس فلما ملك بقي ملكه ثمانيا وستين سنة فتحزب الناس في ملكه فكانوا أحزابا : منهم من يؤمن باللّه ويعلم أن الساعة حق ، ومنهم من يكذب بها فكبر ذلك على الملك الصالح وتضرع إلى اللّه وحزن حزنا شديدا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق ويقولون : لا حياة إلا الحياة الدنيا ، وإنما تبعث الأرواح دون الأجساد وجعل بيدروس الملك يرسل إلى من يظن فيهم خيرا وأنهم أئمة في الخلق فلم يقبلوا منه وجعلوا يكذبون بالساعة حتى كادوا يخرجون الناس عن الحق وملة الحواريين ؟ فلما رأى ذلك الملك الصالح دخل بيته وأغلق بابه عليه ولبس مسحا وجعل تحته رمادا فجلس عليه فدأب ليله ونهاره يتضرع إلى اللّه تعالى ويبكى ويقول : رب قد ترى اختلاف هؤلاء فابعث لهم آية تبين لهم بطلان ما هم عليه . ثم إن اللّه سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة عباده أراد أن يظهر على الفتية أصحاب الكهف ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية وحجة عليهم ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها ويستجيب لعبده الصالح بيدروس ويتم نعمته عليه وأن يجمع من كان تبدد من المؤمنين . فألقى اللّه سبحانه وتعالى في نفس رجل من أهل ذلك البلد الذي فيه ذلك الكهف . وكان اسمه أولياس أن يهدم ذلك البنيان الذي على فم الكهف ويبنى به حظيرة لغنمه فاستأجر غلامين فجعلا ينزعان تلك الحجارة ويبنيان بها تلك الحظيرة حتى نزعا ما كان على باب الكهف وفتحا باب الكهف وحجبهم اللّه تعالى عن الناس بالرعب . فلما فتح باب الكهف أذن اللّه سبحانه وتعالى ذو القدرة والسلطان محيى الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهراني الكهف فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم طيبة أنفسهم فسلم بعضهم على بعض كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون منها إذا أصبحوا من ليلتهم ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا كما كانوا يفعلون لا يرى في وجوههم ولا ألوانهم شئ يكرهونه وأنهم كهيئتهم حين رقدوا وهم يرون أن دقيانوس في طلبهم ، فلما قضوا صلاتهم قالوا لتمليخا صاحب نفقتهم : أنبئنا بما قال الناس في شأننا أمس عند هذا الجبار وهم يظنون أنهم قد رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون ، وقد خيل إليهم أنهم قد ناموا أطول مما كانوا ينامون حتى تساءلوا بينهم ، فقال بعضهم لبعض «كَمْ لَبِثْتُمْ» نياما «قالُوا لَبِثْنا