شرح
وهو مع هذا لا تستشرف نفسه إلى الناس في انتظار من يدخل عليه فيحمل إليه من الدنيا ، بل يكون قوى القلب في الصبر على شدائده والاتكال على اللّه تعالى فالقعود بهذه الشروط أولى من الخروج والكسب ، وإن كان يضطرب قلبه في البيت ويستشرف إلى الناس بما يأتي منهم فالكسب أولى لأن اضطراب القلب يشعر عن عدم قوة قلبه على الاتكال على مولاه واستشراف القلب إلى الناس سؤال بالقلب وهو عندهم أشد من سؤال اللسان وتركه أهم من ترك الكسب ، كذا ذكره مصنفنا أبو حامد الغزالي وغيره ، وشواهد ذلك في كلام القوم ، ففي القوت لأبى طالب المكي قال بعض المتوكلين : من فقد الأسباب فضعف قلبه أو كان وجودها أسكن لقلبه من عدمها لم يصح له القعود عن المكاسب لأن فيه انتظارا لغير اللّه تعالى .
وقال بعض العلماء : من طرقته فاقة سبعة أيام فتصور قلبه طمعا في خلق أو تشرفا إلى عبد فالسوق له أفضل من المسجد . وقال أبو سليمان : الدارانى لا خير في عبد لزم القعود في البيت وقلبه معلق بقرع الباب حتى يطرق بسبب . وقال بعض علمائنا : إذا استوى عنده وجود السبب وعدمه وكان قلبه ساكنا مطمئنا عند العدم لم يشغله ذلك عن اللّه ولم يتفرق همه فترك الكسب والقعود لهذا أفضل لشغله بحاله وتزوده لمعاده ، وقد صح له مقام في التوكل . وقال سهل ، وقد سئل متى يصح للعبد التوكل ؟ فقال : إذا دخل عليه الضر في جسده والنقص في ماله فلم يلتف إليه ولم يحزن عليه شغلا بحاله ونظرا إلى قيام اللّه عليه ، وقال الخواص في كتاب التوكل : لا ينبغي للصوفى أن يتعرض للقعود عن الكسب إلا أن يكون مطلوبا قد أغنته الحال عن المكاسب . وأما ما كانت الحاجات فيه قائمة ولم يقع له عزوف يحول بينه وبين التكلف فالعمل أولى به والكسب أجل له وأبلغ ، لأن القعود لا يصلح لمن لم يستغن عن التكلف : يعنى أن يكون كفى بالكفاية القاطعة من قلبه عن التكلف الظاهر من جوارحه وأن تكون حاله قوية تحمله بالصبر والرضا لا يضعف إلى تطلع وتشرف بقول ، فمعلوم هذا من كسبه الذي أحل به أفضل له من طمعه في غيره الذي كره له ، هذا كله كلام الخواص . وقال في موضع آخر من الكتاب المذكور : ولم يؤت المريدون إلا من جهتين من قلة الصدق وإصابة الحق ومن ركون الأدلة إلى الدنيا فدلوهم على علو أنفسهم ، وصدق المريد في إيثار الخمول ولزوم الباب وفراغ القلب وخوف فوت الوصول والتارك للتكسب والتصرف في الأسواق إذا كان في أدنى كفاية وأعين بالصبر والقناعة في مثل زماننا هذا أفضل وأتم من المكتسب إذا خاف أن لا ينال المعيشة إلا بمعصية اللّه تعالى من دخول في شبهة أو خيانة لإخوانه المسلمين ؛ ولأنه قد تعذر القيام بشرط العلم مع مباشرة الأسباب وكثرة دخول الآفات والفساد في الاكتساب فترك مباشرة أهل الأسواق ومخالطتهم على هذا الوصف المكروه أقرب إلى السلامة لبعده من رؤية الأسباب وفقد مباشرتها ، لأن الحكم متعلق بالرؤية ، ومثل الحرام مثل المنكر إذا لم تره سقط عنك حكمه ، وليس الخبر كالمعاينة ولا المحاورة كالمباشرة ولا الاستتار كالإظهار ولا المعاين كالمخبر ، والتكسب ليس بفرض ، وقد يفترض بأحد معنيين : بوجود العيال مع عدم كفايتهم عن وجه من الوجوه ، أو بأن