في الدّنيا أخذها في الآخرة ، وإذا كان كذلك فالفقير والعالم يأخذان من حقّهما قالوا :
وإذا كان المال مختلطا بمال مغصوب لا يمكن تمييزه أو غصبا لا يمكن ردّه على صاحبه وذرّيتّه فلا مخلص للسّلطان منه إلّا بأن يتصدّق به ، وما كان اللّه ليأمره بالصّدقة على الفقير وينهى الفقير عن قبولها أو يأذن للفقير في القبول وهو عليه حرام ، فإذن للفقير أن يأخذ إلّا عين الغصب والحرام فليس له أخذه .
شرح
أي تلك الدراهم والدنانير المذكورات ( في الدنيا أخذها في الآخرة ، وإذا كان ) الأمر ( كذلك ) أي ما قاله علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ( فالفقير والعالم يأخذان من حقهما . قالوا ) أي العلماء ( وإذا كان المال مختلطا بمال مغصوب لا يمكن تمييزه ) أي المال عن المغصوب ( أو ) كان المال ( غصبا لا يمكن رده على صاحبه وذريته فلا مخلص ) أي لا خلوص ( للسلطان منه ) أي من المال المختلط ( إلا بأن يتصدق ) أي السلطان ( به ) أي بذلك المختلط ( وما كان اللّه ليأمره ) أي السلطان ( بالصدقة على الفقير وينهى ) اللّه ( الفقير عن قبولها ) أي الصدقة ( أو يأذن ) جل وعز ( للفقير في القبول ، وهو ) أي هذا القبول ( عليه ) أي على الفقير ( حرام ، فاذن ) أي حين لا يحرم القبول على الفقير ( للفقير ) أي يجوز له ( أن يأخذ ) مال السلطان ( إلا عين الغصب والحرام فليس له أخذه ) أي المال المأخوذ من عين الغصب .
والحاصل أن الورع في حق السلاطين أربع درجات :
[ الدرجة الأولى ] أن لا يأخذ من أموالهم أصلا كثر أو قل كما فعله الورعون وكما يفعله الخلفاء الراشدون ، حتى إن أبا بكر رضى اللّه عنه حسب جميع ما كان يأخذه من مال بيت المال ، فبلغ ستة آلاف درهم فغرمها لبيت المال وردها إليه ، وحتى إن عمر رضى اللّه عنه كان يقسم مال بيت المال يوما فدخلت ابنة له وكان يحبها حبا شديدا فأخذت درهما من المال فنهض عمر رضى اللّه عنه في طلبها حتى سقطت الملحفة عن منكبيه ودخلت الصبية إلى بيت أهلها فزعة تبكى وجعلت الدرهم في فمها حرصا عليه فأدخل عمر أصبعه فأخرجه من فيها وطرحه على الخراج وقال : يا أيها الناس : ليس لعمر ولا لآل عمر إلا ما للمسلمين قريبهم وبعيدهم وكسح أبو موسى الأشعري رضى اللّه عنه بيت المال بعد تقسيم ما فيه على المستحقين فوجد درهما فمر بنى لعمر رضى اللّه عنه فأعطاه أبو موسى الدرهم فرأى عمر في يد الغلام الدرهم فسأله عنه ، فقال أعطانيه أبو موسى ، فقال : يا أبا موسى ما كان في أهل المدينة بيت أهون عليك من آل عمر ، أردت أن لا يبقى من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم أحد إلا طلبنا بمظلمة ورد الدرهم إلى بيت المال هذا مع أن المال كان حلالا لأنه كان مال الغنائم والفىء ولكن خاف أن لا يستحق هو ذلك القدر فكان يستبرئ لدينه ويقتصر على الأقل امتثالا لقوله صلى اللّه عليه وسلم « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » ولقوله « من ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه » . ولما سمعه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من التشديدات والزواجر في الأموال السلطانية حتى إنه قال