فإن قيل : فما تقول في قبول جوائز السّلاطين في هذا الزّمان . فاعلم أنّ العلماء اختلفوا فيه ، فقال قوم : كلّ مالا يتيقّن أنّه حرام فله أخذه . وقال آخرون :
لا يحلّ أن يأخذ مالا يتحقّق أنّه حلال ، لأنّ الأغلب في هذا العصر على أموال السّلاطين الحرام ، والحلال في أيديهم معدوم أو عزيز . وقال قوم : إنّ صلات السّلاطين تحلّ للغنىّ والفقير إذا لم يتحقّق أنّها حرام ، وإنّما التّبعة على المعطى ، قالوا : لأنّ النّبىّ صلى اللّه عليه وسلم قبل هديّة المقوقس ملك الإسكندريّة
شرح
[ الثالثة ] مالا تحرمه الفتوى الشرعية ومع ذلك لا شبهة في حله في الحال ولكن يخاف منه أداؤه إلى محرم شرعي وهو ترك مالا بأس به مخافة مما به بأس وهذا ورع المتقين . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس » أي يترك تناول الحلال مخافة من الوقوع في الحرام ، رواه ابن ماجة .
[ الرابعة ] مالا بأس به أصلا ولا يخاف أن يؤدى إلى ما به بأس ولكنه يتناول لغير اللّه عز وجل ، ولا يتناول على نية التقوى به علي عبادة اللّه وحسن طاعته أو تتطرق إلى أسبابه المسهلة إليه كراهية أو معصية ، فالامتناع على هذه الصورة من التناول وهو ورع الصديقين هو أعلى المراتب في الورع ، كما أن الصديقية أعلى المراتب بعد النبوة . ( فإن قيل : فما تقول في قبول جوائز ) جمع جائزة : وهي العطية أي عطايا ( السلاطين ) والأمراء ( في هذا الزمان ، فاعلم أن العلماء ) رحمهم اللّه تعالى ( اختلفوا فيه ) أي في القبول ( فقال قوم ) منهم ( كل مالا يتيقن أنه حرام فله ) أي فيجوز للشخص ( أخذه . وقال آخرون : لا يحل أن يأخذ ) من السلاطين ( مالا يتحقق أنه حلال ) فلا تحل شبهة أصلا ( لأن الأغلب في هذا العصر على أموال السلاطين الحرام والحلال في أيديهم ) أي السلاطين ( معدوم أو عزيز ) أي قليل وجوده ؛ نقل كلا من القولين أبو طالب المكي في القوت . قال حجة الإسلام وكلاهما إسراف والاعتدال ما ذكرنا وهو الحكم بأن الأغلب إذا كان حراما حرم ، وإن كان الأغلب حلالا وفيه يقين حرام فهو موضع توقفنا فيه .
( وقال قوم : إن صلات السلاطين ) جمع صلة بمعنى العطية ( تحل للغنى والفقير إذا لم يتحقق أنها ) أي تلك الصلات ( حرام ، وإنما التبعة ) أي الذنب ( على المعطى ، قالوا ) محتجين بذلك ( لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قبل هدية المقوقس ) بكسر الميم وسكون القاف الأولى مع فتح الواو والقاف الثانية ( ملك الإسكندرية ) مدينة مشهورة على ساحل البحر ، وعرضها إحدى وثلاثون درجة .
ذكر السيوطي في المحاضرة نقلا عن هشام وغيره أنه لما كانت سنة ست من الهجرة بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة رضى اللّه عنه إلى المقوقس بكتاب فيه : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المقوقس عظيم القبط : سلام على من