تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
شرح
لا يعلمها كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ، ومن وقع في الشبهات واقع الحرام كالراعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه » رواه الشيخان ، فهذا الحديث نص في إثبات الأقسام الثلاثة والمشكل منها القسم المتوسط الذي لا يعرفه كثير من الناس وهو الشبهة فلا بد من بيانها وكشف الغطاء عنها فإن مالا يعرفه الكثير فقد يعرفه القليل . فنقول : اعلم أن الحلال المطلق ما انتقى عن ذاته الصفات المحرمة له وعن أسبابه ما يجر إلي خلل فيه كنحو الغصب ، ومنه : أي الحلال صيد احتمل أنه صيد وانفلت من صائده ، ومعار احتمل موت المعير وانتقاله إلى ورثته وصورته أنه استعار ثوبا مثلا للبسه ثم خيل له أن يكون ذلك المعير مات وانتقل ذلك الثوب لورثته فالملك فيه حينئذ لهم ولم يقع منهم إذن له في الاستعمال وليس هذا مشتبها فلا ورع في العمل بذلك الاحتمال لأنه هوس لعدم اعتضاده بشئ مع أن الأصل عدمه وإنما المشتبه الذي يتجاذبه سببان متعارضان يؤديان إلي وقوع التردد في حله وحرمته كما مر ، وأن الحرام ما في ذاته صفة محرمة كالإسكار أو في سببه ما يجر إليه خللا كالبيع الفاسد . ومنه ما تحققت حرمته واحتمل حله كمغصوب احتمل إباحة مالكه فهو حرام صرف ، وليس من المشتبه لما قررناه في نظيره إذ الذي فيهما احتمال محض لا سبب له في الخارج إلا مجرد التجويز العقلي : وهو لا عبرة به فليسا من المشكوك فيه . وأما المشتبه بالمعنى الذي قررناه آنفا فهو أقسام أربعة : [ القسم الأول ] الشك في المحلل والمحرم ، فإن تعادلا استصحب السابق ، وإن كان أحدهما أقوى لصدوره عن دلالة معتبرة في العين فالحكم له : أي للأحد الأقوي ، فلو رمى صيدا فجرحه فوقع في ماء أو نار أو على طرف سطح أو جبل فسقط منه أو على شجرة فصدمه غصنها أو أرسل كلبه وشركه فيه كلب آخر وشك في قاتله منهما حرم ، لأن الأصل في الميتة التحريم ، وقد وجد سبب يحال عليه الموت فلا يزال بالشك في المبيح ، ولو جرح طير الماء وهو على وجهه ومات أو جرحه وهو خارج الماء فوقع فيه أو هو في مائه والرامي في سفينة في الماء حل أو في البر فلا إن لم ينته بالجرح إلى حركة مذبوح . [ القسم الثاني ] الشك في طرو محرم على الحل المتيقن فالأصل الحل ، فلو قال إن كان ذا الطائر غرابا فامرأتى طالق ، وقال آخر إن لم يكنه فامرأتى طالق والتبس أمره لم يقض بالتحريم على واحد منهما علي الأصح ، لأن كلا منهما علي يقين الحل بالنسبة إلى نفسه ، إذ لم يعارضه بالنظر إليه وحده شئ ، وإنما عارضه يقين التحريم بالنظر إلى ضم غيره إليه ولا مسوغ لهذا الضم ، لأن المكلف إنما يكلف بما يخصه على انفراده ، ومن ثم لو قالهما واحد في زوجتيه كأن علق طلاق إحداهما بكونه غرابا والأخرى بكونه غيره لزمه اجتنابهما ، لأن إحداهما طلقت منه يقينا ، وأصل الحل فيهما عارضه يقين التحريم في إحداهما بالنظر إليه وحده فارتفع به ذلك الأصل . [ القسم الثالث ] أن يكون الأصل التحريم ثم يطرأ ما يقتضى الحل بظن غالب فإن اعتبر سبب الظن شرعا حل وألغى ذلك النظر لذلك الأصل وإلا فلا ، فلو أرسل كلبا على صيد ثم غاب صاحبه