تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 503

مساهمون:

ص٥٠٣
ثمّ الامتناع عن الّذى هو حرام محض حتم واجب ، وعن الّذى هو شبهة تقوى وورع ، وهذا أولى القولين عندنا .
شرح
[ ثالثها ] ما ترجح فيه الأصل على الأصح ، وضابطه أن يستند الاحتمال فيه إلى سبب ضعيف وأمثلته لا تكاد تنحصر . ومنها ما مر في نحو ثياب الخمارين ، وما لو أدخل كلب رأسه في إناء وأخرجه وفمه رطب ولم يعلم ولوغه فهو طاهر ، وما لو تنحنح إمامه فظهر منه حرفان فلا يفارقه لأن الأصل بقاء صلاته ولعله معذور ، وما لو امتشط محرم فرأى شعرا وشك هل نتفه أو انتتف فلا فدية عليه لأن النتف لم يتحقق ، والأصل براءة الذمة . [ رابعها ] ما ترجح فيه الظاهر على الأصل ، وضابطه أن يكون سببا قويا منضبطا ، فلو شك بعد الصلاة في ترك ركن غير النية والتحرم أو شرط كأن تيقن الطهارة وشك في ناقضها لم تلزمه الإعادة لأن الظاهر مضى عبادته على الصحة ، أو شك بعد فراغ الفاتحة أو الاستنجاء أو غسل الثوب في بعض كلماتها أو هل استجمر بحجرين أو ثلاث أو هل استوعب الثوب لم يؤثر لذلك ، ولو اختلفا في صحة عقد صدق مدعيها لأن الظاهر جريان العقود بين المسلمين على قانون الشرع ؛ وفي تعارض الأصلين تارة يجزم بأحدهما وتارة يجرى خلاف ، ويرجح ما عضده ظاهر وغيره . قال ابن الرفعة : ولو كان في جهة أصل وفي أخرى أصلان قدما جزما . قال الامام : وليس المراد بتعارضهما تقابلهما على جهة واحدة في الترجيح فإن هذا كلام متناقض ، بل المراد التعارض بحيث يتخيل الناظر في ابتداء نظره ، فإذا حقق فكره رجح ( ثم الامتناع عن الذي هو حرام محض حتم واجب ) بمعنى واحد ( و ) الامتناع ( عن الذي هو شبهة تقوى وورع ، وهذا ) أي ما قاله آخرون ( أولى القولين ) أي أفضلهما ( عندنا ) . واعلم أن الورع عن الحرام على أربع درجات : [ الأولى ] ورع العدول والمزكين ، وهو الذي يجب الفسق باقتحامه والتعرض له وتسقط العدالة به ويثبت اسم العصيان والتعرض للنار بسببه وهو الورع عن كل ما تحرمه فتاوى الفقهاء في الظاهر وهو أول المراتب ، وفي هذا وقع النزاع بين الإمامين التقى السبكي وابن عدلان ، فأثبته السبكي ، ونفاه ابن عدلان كما هو مصرح به في الطبقات الكبرى للتاج السبكي في ترجمة ابن عدلان . [ الثانية ] ورع الصالحين ، وهو الامتناع عما عسى يتطرق إليه احتمال التحريم ، ولكن المفتى إذا رفع إليه مثل هذه الحادثة يرخص في التناول منه بناء على الظاهر ، ولا يلتفت إلى ما يتطرق ويقول نحكم بالظاهر واللّه يتولى السرائر ، ثم يقول : تطرق احتمال التحريم متوقع ولم يقع بعد فلا حكم له عندي فهو إذن من مواقع الشبهة على الجملة فلنسم هذا التحرج عن مثل ذلك ورع الصالحين لأنهم الذين يتجنبون عن مواقع الشبهة في الحال والمتواقع ، وهو في الدرجة الثانية بالنسبة إلى ورع العدول .