تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣

[ بيان أن النظر والاستدلال أول عقبة تستقبل المكلف في طريق العبادة ]

ليحصل له علم اليقين بما هو مغيب ، ويعلم أنّ له ربّا كلّفه وأمره ونهاه . فهذه أوّل عقبة استقبلته في طريق العبادة ، وهي عقبة العلم والمعرفة ليكون من الأمر على بصيرة فيأخذ في قطعها
شرح
الشرقاوي ( ليحصل له علم اليقين بما هو مغيب ويعلم أن له ربا ) أنعم عليه و ( كلفه ) شكره ( وأمره ) بالخدمة والطاعة ( ونهاه ) عن الكفر وضروب المعاصي . واعلم أن اليقين عند جماعة هو توالى العلم بالمعلوم حتى لا يكاد يغفل عنه فهو أخص من العلم ، قاله شيخ الاسلام زكريا ، وعن آخرين هو العلم الذي لا يتداخل صاحبه ريب على مطلق العرف ولا يطلق في وصف الحق سبحانه لعدم التوقيف ، والعبارات التي تطلق على العلوم الجلية ثلاثة : علم اليقين ، وعين اليقين ، وحق اليقين فعلم اليقين بموجب اصطلاحهم ما كان بشرط البرهان ، وعين اليقين ما كان بحكم البيان : أي بطريق الكشف والنوال ، وحق اليقين ما كان بنعت البيان ، والأول لأرباب العقول ، والثاني لأصحاب العلوم ، والثالث لأصحاب المعارف كما قاله القشيري في الرسالة ، وإيضاحه قول بعض العارفين علم اليقين يشهدك قربه تعالى منك ، وعين اليقين يشهدك عدمك لوجوده تعالى ، وحق اليقين يشهدك وجوده لا عدمك ولا وجودك ، وبينه بقوله : إن الذي ينكشف بالنور الأول قرب اللّه منك ، وثمرة ذلك مراقبته تعالى والاستحياء منه حتى لا يراك حيث نهاك ، ولا يفقدك حيث أمرك ، والذي ينكشف بالثاني عدمية كل موجود في وجود الحق تعالى فيشهد الأكوان عدما فلا يعبأ بها ولا يلتفت إليها إذ وجودها عارية والوجود الحقيقي له سبحانه وتعالى وثمرة ذلك أن لا يبقى في نظرك ما تستند إليه ولا ما تستأنس به فيتم لك التوكل والتفويض والرضا والاستسلام ، والذي ينكشف بالثالث الذات المقدسة ، وثمرة ذلك الفناء الكامل الذي هو دهليز البقاء فيفنى عن فنائه وعدمه استهلاكا في وجود سيده ، وناهيك بما يحصل له حينئذ من المواهب والأسرار الإلهية ، فإذا ترقى عن ذلك حل في مقام البقاء . قال السهروردي في العوارف : والباقي في مقام لا يحجبه الحق عن الخلق ، ولا الخلق عن الحق ، والفاني محجوب بالحق عن الخلق اه ( فهذه ) أي المذكورة من النظر والاستدلال ( أول عقبة ) وهي في الأصل الطريق الصعب في الجبل ، والمراد بها المجاهدة كما قرره بعضهم ( استقبلته في طريق العبادة وهي عقبة العلم والمعرفة ) وهما مترادفان بمعنى واحد على الصحيح وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل ( ليكون ) أي العبد ( من الأمر ) أي الشأن والحال ( على بصيرة ) أي علم وخبرة . قال السيد الجرجاني : البصيرة قوة للقلب بنور القدس يرى بها حقائق الأشياء وبواطنها بمثابة البصر للنفس يرى به صور الأشياء وظواهرها ، وهي التي يسميها الحكماء القوة العاقلة والقوة القدسية ، كذا نقله بعضهم ( فيأخذ ) أي يشرع العبد ( في قطعها
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 43 | السيد احمد بن زيني دحلان