تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء — صفحة 659

مساهمون:

ص٦٥٩
وفي فؤاد المحبّ نار هوى * أحرّ نار الجحيم أبردها
ولا مجال لإنكار هذا في الآخرة مع وجود نظيره في الدنيا فقد روي أنّ بعض من غلب عليه الوجد تعدّى على النار وعلى أصول القصب الجارحة للقدم وهو لا يحسّ به لفرط غلبة ما في قلبه . وترى الغضبان يستولى عليه الغضب في القتال فتصيبه جراحات وهو لا يشعر بها في الحال ؛ لأنّ الغضب نار في القلب ، قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : الغضب قطعة من النار . واحتراق الفؤاد أشدّ من احتراق الأجساد والأشدّ يبطل الإحساس بالأضعف كما تراه فليس التألّم من النار والسيف إلّا أنّه من حيث إنّه يفرق بين جزئين يرتبط أحدهما بالآخر برابطة التأليف الممكن في الأجسام فالذي يفرق بين القلب وبين محبوبه المرتبط به برابطة تأليف أشدّ إحكاما من تأليف الأجسام فهو أشدّ إيلاما عند أهل القلوب وإن لم يدركه من لا قلب له واستحقره بالإضافة إلى ألم الجسم . فإنّ من غلب عليه شهوة البطن لو خيّر بين الهريسة والحلوا وبين فعل جميل يقهر به الأعداء ويفرح به الأصدقاء لآثر الهريسة والحلوا وما ذلك إلّا لوجود المعنى الذي بوجوده يصير الطعام لذيذا وفقد المعنى الذي بوجوده يصير الجاه محبوبا وكما لا يكون الذوق إلّا في اللسان والسمع إلّا في الآذان ، فكذا لا تكون هذه الصفة إلّا في القلب فمن لا قلب له لا يحسّ بها كما أنّ من لا سمع له ولا بصر لا يدرك لذّة الألحان ولا حسن الصور والألوان وليس لكلّ إنسان قلب وإلّا لما خصّه اللّه بمن يتذكّر القرآن حيث قال :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ .
وليس المراد من القلب اللحم الصنوبري بل السرّ الذي هو من عالم الأمر وهذا اللحم الذي هو من عالم الخلق عرشه والصدر كرسيّه وسائر الأعضاء مملكته وللّه الخلق والأمر جميعا . من كلام الغزالي ملخّصا . منه عفى اللّه عنه .