( 11 )
ص 41 س 20
فإن قلت : لذّة الرؤية لذّة المعرفة وهي في الدنيا لأهلها قليلة ضعيفة ، فلذّة الرؤية أيضا كذلك وكان أضعف منها .
قلت : استحقار لذّة المعرفة منشأه الخلوّ عنها وذلك لأنّ لذّة النظر إلى المعشوق في الدنيا يتفاوت بأسباب : أحدها كمال المعشوق في الجمال ونقصانه فيه ، والثاني كمال الحبّ ، الثالث كمال الادراك ، والرابع اندفاع العوائق المشوشة والآلام الشاغلة للقلب .
فإذا قدر عاشق ضعيف العشق ينظر إلى وجه معشوقه من وراء ستر رقيق على بعد بحيث يمنع بذلك كنه صورته مع اجتماع عقارب وزنابير عليه تؤذيه وتلدغه فهو في هذا الحال لا يخلو عن لذّة ما من مشاهدة معشوقه فإذا مات في هذه الحالة عرضته على الفجأة حالة انهتك به الستر وأشرق واندفع عنه المؤذيات وبقي سليما فارغا وهجمت عليه القوّة الشهويّة المفرطة والعشق المفرط ، فالنظر كيف يتضاعف اللذّة حتّى لا يبقى للأولى إليه نسبة يعتدّ بها ، فكذلك نسبة لذّة الرؤية إلى لذّة المعرفة .
فالستر الرقيق مثال البدن والاشتغال به والعقارب والزنابير مثال للشهوات المسلطة على الإنسان وضعف الحبّ مثال لقصور النفس ونقصانها عن الشوق إلى الملأ الأعلى ، وهو مثل قصور الصبيّ عن لذّة الرئاسة والعكوف على اللعب ، فالعارف وإن قويت معرفته في الدنيا فلا يخلو عن هذه المشوشات وإن ضعفت في بعض الأحيان ، فلاح من كمال المعرفة بسببه ما يبهت العقل وتعظم لذّته بحيث يكاد القلب ينفطر لعظمته إلّا أنّه كالبرق الخاطف تزول بعروض الشواغل والأفكار الضروريّة في الحياة الفانية فيكون