الخلق ، فالأمر أجلى وأوضح فإنا ما رأينا أحدا من الناس إلا وهو يشتكي ويتظلم ، ولم نر إلى الآن متنازعين ومتخاصمين من الأخيار ، ولا من الأشرار ، وأحدهما يقر للآخر أني ظالم لك ومتعد عليك بل لم نزل ترى الأخيار ، وأهل الصلاح والتقوى يتخاصمون وكل يدعي المظلومية من الآخر ، وانه صاحب الاحسان عليه ، والتحمل منه ، وهم ممن لا يتعمدون الكذب ولا يتجرؤن عليه ، فاعلم أن ذلك من مكائد النفس الامارة ، وتلبيسها الباطل بصورة الحق حتى تشبه الأمر على صاحبها .
ولهذا رد الشارع الحكيم شهادة العدل لنفسه ولم يجز التعويل في ذلك على عدالته فوجب على العاقل المنصف أن يتهم نفسه في حق نفسه ، ولا يقبل شهادته لنفسه ، كما لا يقبله الشارع .
فهذا غير الذي تعاشره وتباشره إن كان أصل معاشرتك أن تنفعه لا لأجل أن تنتفع منه فقد أرحت قلبك أولا بقطع الآمال من الناس ، وقطع الطمع عنهم ، وهذا هو الغنى الأكبر الذي هو غنى النفس ، ثم أن أول صدقة منك عليهم أن تكف الأذى عنهم ، وأول ذلك أن ترتفع أذاك عنهم فلا تتعرض لهم بما يؤذيهم ، ثم توطن نفسك على تحمل الأذى منهم ، ثم اجعل همك إيصال الإحسان إليهم .
فإذا توطنت نفسك على ذلك فإن وصل إليك مكافأة بإحسان فهذي نعمة غير مترقبة ، فتكون أوقع في النفس وألذ
الطريق إلى الله — صفحة 73
مساهمون: الشيخ حسين البحراني
ص٧٣