وأصل هذه الأماني كلها حب الدنيا والأنس بها والغفلة عن معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلم :
« أحبب من أحببت فإنك مفارقه » .
وأما الجهل ؛ فهو أن الإنسان قد يعول على شبابه فيستبعد قرب الموت مع الشباب ، وليس يتفكر المسكين أن مشايخ بلده لو عدوّا لكانوا أقل من عشر رجال البلد ، وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر فإلى أن يموت شيخ يموت ألف صبي وشاب . وقد يستبعد الموت لصحته ويستبعد الموت فجأة ، ولا يدري أن ذلك غير بعيد وإن كان ذلك بعيدا ، فالمرض فجأة غير بعيد ، وكل مرض فإنما يقع فجأة ، وإذا مرض لم يكن الموت بعيدا . ولو تفكر هذا الغافل وعلم أن الموت ليس له وقت مخصوص من شباب وشيب وكهولة ومن صيف وشتاء وخريف وربيع من ليل ونهار لعظم استشعاره واشتغل بالاستعداد له ، ولكن الجهل بهذه الأمور وحب الدنيا دعواه إلى طول الأمل وإلى الغفلة عن تقدير الموت القريب ، فهو أبدا يظن أن الموت يكون بين يديه ولا يقدر نزوله به ووقوعه فيه ، وهو أبدا يظن أنه يشيع الجنائز ولا يقدر أن يشيع جنازته ، لأن هذا قد تكرر عليه وألفه وهو مشاهدة موت غيره ، فأما موت نفسه فلم يألفه ولا يتصوّر أن يألفه فإنه لم يقع ، وإذا وقع لم يقع دفعة أخرى بعد هذه ، فهو الأول وهو الآخر . وسبيله أن
شرح
( وأصل هذه الأماني كلها حب الدنيا والأنس بها ) ولذا ورد « حب الدنيا رأس كل خطيئة » وفي مفهومه أن بغضها رأس كل حسنة . ( والغفلة عن معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلم ) « إن روح القدس نفث في روعي ( أحبب من أحببت فإنك مفارقه ) وعش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك مجزى به » قد تقدم غير مرة .
( وأما الجهل : فهو أن الإنسان قد يعوّل على شبابه فيستبعد قرب الموت مع الشباب ، وليس يتفكر المسكين أن مشايخ بلده لو عدوا لكانوا أقل من عشرة من رجال البلد ، وإنما قلوا لأن الموت في الشباب أكثر فإلى أن يموت شيخ يموت ألف صبي وشاب ، وقد يستبعد الموت لصحته ويستبعد الموت فجأة ، ولا يدري أن ذلك غير بعيد وإن كان ذلك بعيدا فالمرض فجأة غير بعيد ، وكل مرض فإنما يقع فجأة ، وإذا مرض لم يكن الموت بعيدا .
ولو تفكر هذا الغافل وعلم أن الموت ليس له وقت مخصوص من شباب ومشيب وكهولة ومن صيف وشتاء وخريف وربيع ومن ليل ونهار لعظم استشعاره واشتغل بالاستعداد له ، ولكن الجهل بهذه الأمور وحب الدنيا دعواه ) أي طلباه ( إلى طول الأمل وإلى الغفلة من تقدير الموت القريب ، فهو أبدا يظن أن الموت يكون بين يديه ولا يقدر نزوله به ووقوعه فيه ، وهو أبدا يظن أنه يشيع الجنائز ولا يقدر أن يشيع جنازته ، لأن هذا قد تكرر عليه وألفه وهو مشاهدة موت غيره ، فأما موت نفسه فلم يألفه ولا يتصور أن يألفه فإنه لا يقع ،