تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
شرح
داعيا ، ومر بعسكرهم وانظر إلى تقارب منازلهم وسل غنيهم ما بقي من غناه ، وسل فقيرهم ما بقي من فقره ، وسلهم عن الألسنة التي كانوا بها يتكلمون وعن الأعين التي كانوا إلى اللذات بها ينظرون ، وسلهم عن الجلود الرقيقة والوجوه الحسنة والأجساد الناعمة ما صنع بها الديدان ، محت الألوان وأكلت اللحمان وعفرت الوجوه ، ومحت المحاسن وكسرت الفقار وأبانت الأعضاء ومزقت الأشلاء . أين حجالهم وقبابهم وأين خدمهم وعبيدهم وجمعهم ومكنوزهم ، واللّه ما زودوهم فراشا ولا وضعوا هناك متكأ ولا غرسوا لهم شجرا ولا أنزلوهم من اللحد قرارا ، ليسوا في منازل الخلوات والفلوات . أليس الليل والنهار عليهم سواء . أليس هم في مدلهمة ظلماء قد حيل بينهم وبين العمل وفارقوا الأحبة فكم من ناعم وناعمة أصبحوا ووجوههم بالية وأجسادهم من أعناقهم نائية وأوصالهم متمزقة ، قد سالت الحدق على الوجنات وامتلأت الأفواه دما وصديدا ودبت دواب الأرض في أجسادهم ، ثم لم يلبثوا واللّه إلا يسيرا حتى عادت العظام رميما ، قد فارقوا الحدائق فصاروا بعد السعة إلى المضايق ، قد تزوّجت نساؤهم وترددت في الطريق أبناؤهم وتوزعت القرابات ديارهم وتراثهم ، فمنهم واللّه الموسع له في قبره المتنعم بلذته . يا ساكن القبر غدا ما الذي غرّك من الدنيا هل تعلم أنك تبقى أو تبقى لك أين دارك الفيحاء وبهوك المطرد ؟ أين ثمرك الحاضر ينعه ، وأين رقاق ثيابك وأين طيبك وأين بخورك ، أين كسوتك لصيفك وشتائك أما رأيته قد نزل به الأمر فما يدفع عن نفسه دحلا وهو يرشح عرقا ويتلمظ عطشا يتقلب في سكرات الموت وغمراته . جاء الأمر من السماء وجاء غالب القدر والقضاء . جاء أمر الأمير الأجل ما لا يمتنع مثله . هيهات هيهات ! يا مغمض الوالد والأخ والولد وغاسله ، يا مكفن الميت وحامله يا مخليه في القبر وراجع عنه ، ليت شعري كيف كنت على جشوبة الثرى ، يا ليت شعري بأي خديك بدأ البلى يا مجاور الهلكات صرت في محلة الموتى ، ليت شعري ما يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدنيا وما يأتيني به من رسالة ربي ثم تمثل :تسر بما يفنى وتشغل بالصبا * كما غر باللذات في النوم حالم نهارك يا مغرور سهو وغفلة * وليلك نوم والردى لك لازم وتعمل فيما سوف تكره غبه * كذلك في الدنيا تعيش البهائمقال : ثم انصرف فيما بقي بعد ذلك إلا جمعة . وروى عن أبي صالح الشامي قال : قال عمر بن عبد العزيز :أنا ميت وعز من لا يموت * قد تيقنت أنني سأموت ليس ملك يزيله الموت ملكا * إنما الملك ملك من لا يموتوروي عن مفضل بن يونس قال : قال عمر بن عبد العزيز : لقد نغص هذا الموت على أهل الدنيا ما هم فيه من غضارة الدنيا وزهرتها ، فبيناهم كذلك وعلى ذلك أتاهم حاد من الموت فاخترمهم مما هم فيه بالويل والحسرة هنالك لمن لم يحذر الموت ويذكره في الرخاء ، فيقدم لنفسه خيرا يجده بعد ما فارق الدنيا وأهلها . قال : ثم بكى عمر حتى غلبه البكاء فقام .