بيان السبب في طول الأمل وعلاجه : اعلم أن طول الأمل له سببان ؛ أحدهما : الجهل ، والآخر : حب الدنيا .
أما حب الدنيا ؛ فهو إنه إذا أنس بها وبشهواتها ولذاتها وعلائقها ثقل على قلبه مفارقتها فامتنع قلبه من الفكر في الموت الذي هو سبب مفارقتها ، وكل من كره شيئا دفعه عن نفسه . والإنسان مشغوف بالأماني الباطلة فيمني نفسه أبدا بما يوافق مراده ، وإنما يوافق البقاء في الدنيا ، فلا يزال يتوهمه ويقدره مراده في نفسه ويقدر توابع البقاء وما يحتاج إليه من مال وأهل ودار وأصدقاء ودواب وسائر أسباب الدنيا ، فيصير قلبه
شرح
وروي عن جعونة قال : قال عمر بن عبد العزيز : يا أيها الناس إنما أنتم أغراض تنتضل فيها المنايا ، إنكم لا تؤتون نعمة إلا بفراق أخرى ، وأية أكلة ليست معها غصة وأية جرعة ليست معها شرقة وأن أمس شاهد مقبول قد فجعكم بنفسه وخلف في أيديكم حكمة ، وأن اليوم حبيب مودع وهو وشيك الظعن ، وأن غدا آت بما فيه وأين يهرب من يتقلب في يد طالبه إنه لا أقوى من طالب ولا أضعف من مطلوب إنما أنتم سفر ستحلون عقد رحالكم في غير هذه الدار إنما أنتم فروع أصول قد مضت فما بقاء فرع بعد ذهاب أصله .
وروي عن أبي الحسن المدائني قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن عبيد اللّه بن عتبة يعزيه على ابنه أما بعد : فإنا قوم من أهل الآخرة اسكنا الدنيا أموات أبناء أموات والعجب لميت يكتب إلى ميت يعزيه عن ميت والسلام . روى عن عون بن معمر قال : كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز أما بعد : فكأنك بآخر من كتب عليه الموت . قيل : قد مات : فأجابه عمر أما بعد :
فكأنك بالدنيا لم تكن وكأنك بالآخرة لم تزل . هذا وأمثال ذلك كثير في تراجم السلف ، ومن طالع كتاب الحلية ظفر منها بالكثير .