يمتخطون ولا يتغوّطون آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة ورشحهم المسك لكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن ، لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد يسبحون اللّه بكرة وعشية » ، وفي رواية : « على كل زوجة سبعون
شرح
فالأوّلية نسبية كما لا يخفي . وقوله : على صورة القمر أي أنهم في إشراق وجوههم على صفة القمر ليلة تمامه . وقد ورد في هذا المعنى ما يقتضي ما هو أبلغ من ذلك ؟ فروى الترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص : « لو أن رجلا من أهل الجنة اطلع فبدا أساوره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس النجوم » قاله العراقي في شرح التقريب ، وقد يقال : إنهم يكونون على صورة القمر عند دخولهم الجنة ثم يزداد إشراق أنوارهم فيها ، أو أن المذكور هنا إشراق وجوههم من غير حلى ، والمذكور ثم إشراق حليهم .
( لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ) فيها ( ولا يتغوّطون ) فيها وهي صفة أهل الجنة مطلقا ولا يختص ذلك بالزمرة الأولى ، ( آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة » ) وفي رواية بحذف « من » وهو يحتمل أن لكل واحد منهم النوعين ، ويحتمل أن لبعضهم الذهب ولبعضهم الفضة .
قال أبو العباس القرطبي : أي حاجة في الجنة للأمشاط ولا تتلبد شعورهم ولا تتسخ ؟ ويجاب عن ذلك بأن نعيم أهل الجنة ليس عن دفع ما اعتراهم ، فليس أكلهم عن جوع ولا شربهم عن ظمأ ولا تطيبهم من نتن ، وإنما هي لذات متوالية ونعم متتابعة ، وحكمة ذلك أن اللّه تعالى نعمهم في الجنة بما كانوا يتنعمون به في الدنيا وزاد على ذلك ما لا يعلمه إلا اللّه اه .
( « ورشحهم ) بفتح فسكون أي أن العرق الذي يترشح منهم ( المسك ) أي رائحته كرائحة المسك وهو قائم مقام التغوّط والبول من غيرهم كما قال في حديث آخر : « لا يبولون ولا يتغوّطون وإنما هو عرق يجري من أعراضهم مثل المسك » يعني من أبدانهم . ولما كانت أغذية الجنة في غاية اللطافة والاعتدال لا عجم لها ولا تفل لم تكن لها فضلة تستقذر ، بل تستطاب وتستلذ فعبر عنها بالمسك الذي هو أطيب طيب الدنيا . ( لكل واحد منهم زوجتان ) هكذا هو في هذه الرواية في جميع الطرق بالتاء وهي لغة منكرة في الأحاديث ، وكلام العرب والأشهر حذفها وبه جاء القرآن العزيز وأكثر الأحاديث ، وفي بعض الروايات زيادة اثنتان وهو لتأكيد التكثير لا للتحديد لخبر : « أدنى أهل الجنة الذي له اثنتان وسبعون زوجة » وبهذا الحديث استدل راويه أبو هريرة رضي اللّه عنه على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال وفيه خلاف بين العلماء ، ولا يعارضه الحديث الآخر : « إني رأيتكن أكثر أهل النار » فإنهن أكثر ساكني الجهتين معا لكثرتهن . ( يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن ) وفي رواية ساقهما يعني من شدة صفاء لحم الساقين كما يرى السلك في جوف الدرة الصافية . ( لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد ) بالإضافة وترك التنوين أي على قلب شخص واحد يريد أنهم مطهرون عن مذموم الأخلاق مكملون بمحاسنهم ، ( يسبحون اللّه بكرة وعشية » ) أي بقدرهما ، فأوقات الجنة من الأيام والساعات تقديريات ، فإذا ذلك إنما يجيء من اختلاف الليل والنهار وسير الشمس والقمر وليس في الجنة شيء من ذلك .