تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
شرح
وإنما الأيام بينهم وبينكم بواك ونوائح عليكم ، أولئكم سلف غايتكم وفراط مناهلكم الذين كانت لهم مقاوم العز وجليات الفخر ملوكا وسوقا ، سلكوا في بطون البرزخ سبيلا سلطت الأرض عليهم فيه فأكلت من لحومهم وشربت من دمائهم ، فأصبحوا في فجوات قبورهم جمادا لا ينمون وضمارا لا يوجدون ، لا يفزعهم ورود الأحوال ولا يحزنهم تنكر الأحوال ولا يحفلون بالرواجف ولا يأذنون للقواصف ، غيبا لا ينتظرون وشهودا لا يحضرون وإنما كانوا جميعا فشتتوا وإلافا فافترقوا وما عن طول عهدهم ولا عن بعد محلهم عميت أخبارهم وصمت ديارهم ، ولكنهم سقوا كأسا بدلتهم بالنطق خرسا وبالسمع صمما وبالحركات سكونا ، فكأنهم في ارتجال الصفة صرعى سبات جيران لا يتأنسون وأحباء لا يتزاورون ، بليت بينهم عرى التعارف وانقطعت منهم أسباب الإخاء والتعاطف ، فكلهم وحيد وهم جميع وبجانب الهجر وهم أخلاء لا يتعارفون لليل صباحا ولا لنهار مساء أي الجديدين ظعنوا فيه كان عليه سرمدا شاهدوا من أخطار دارهم أفظع مما خافوا ورأوا من آياتها أعظم مما قدروا ، فكلا الغايتين مدة إلى مباءة فأتت مبالغ الخوف والرجاء ، فلو كانوا ينطقون بها لعيوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا ، ولئن عميت آثارهم وانقطعت أخبارهم لقد رجعت فيهم أبصار العبر وسمعت عنهم آذان العقول وتكلموا من غير جهات النطق فقالوا : كلحت الوجوه النواضر وخوت الأجساد النواعم ولبسنا أهدام البلى وتكأدنا ضيق المضجع وتوارثنا الوحشة وتهكمت علينا الربوع الصموت ، فانمحت محاسن أجسادنا وتنكرت معارف صورنا وطالت في مساكن الوحشة إقامتنا ، ولم نجد من كرب فرجا ولا من ضيق متسعا ، فلو مثلتهم بعقلك أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك ، وقد ارتسخت أسماعهم بالهوام فاستكت ، واكتحلت أبصارهم بالتراب فخسفت ، وتقطعت الألسنة في أفواهم بعد ذلاقتها ، وهمدت القلوب في صدورهم بعد يقظتها ، وعاث في كل جارحة منهم جديد بلى سمجها ، وسهل طرق الآفة إليه مستلمات فلا أيد تدفع ولا قلوب تجزع ، لرأيت أشجان قلوب وأقذاء عيون لهم من كل فظاعة صفة حال لا تنتقل وغمرة لا تنجلي ، وكم أكلت الأرض من عزيز جسد وأنيق لون كان في الدنيا غذى ترف وربيب شرف ، يتعلل بالسرور في ساعة حزنه ويفزع إلى السلوة إن مصيبة نزلت به ضنا بنضارة عيشه وشحاحة بلهوه ولعبه ، فبينا هو يضحك إلى الدنيا وتضحك إليه في ظل عيش غفول إذ وطئ الدهر به حسكه ونقصت الأيام قواه ونظرت إليه الحتوف من كئب ، فخالطه بث لا يعرفه ونجى هم ما كان يجده ، وتولدت فيه فترات علل أنس ما كان بصحته ففزع إلى ما عوده الأطباء فلم يطفأ ببارد إلا ثور حرارة ولا حرك بحار إلا هيج برودة ولا اعتدال بممازج لتلك الطبائع إلا أمد منها كل ذات داء ، حتى فتر معلله وذهل ممرضه وتعايا أهله بصفة دائه ، وخرسوا عن جواب السائلين عنه وتنازعوا دونه شجى خبر يكتمونه ، فقائل هو لما به وممن لهم إياب عافيته ومصبر لهم على فقده يذكرهم أسى الماضين من قبله ، فبينا هو كذلك على جناح من فراق الدنيا وترك الأحبة إذ عرض له عارض من غصصه فتحيرت نوافذ بطئه ويبست رطوبة لسانه ، فكم من مهم من جوابه عرفه فعي عن رده ، ودعاء مؤلم لقلبه سمعه فتصام عنه من كبير كان يعظمه أو
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 54 | مرتضى الزبيدي