تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
ورأى الجنيد إبليس في المنام عريانا فقال : ألا تستحيي من الناس ؟ فقال وهؤلاء ناس ! الناس أقوام في مسجد الشونيزية قد أضنوا جسدي وأحرقوا كبدي ! قال الجنيد : فلما انتبهت غدوت إلى المسجد فرأيت جماعة قد وضعوا رؤوسهم على ركبهم يتفكرون ، فلما رأوني قالوا : لا يغرنك حديث الخبيث . ورؤي النصر أباذي بمكة - بعد وفاته - في النوم فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ قال : عوتبت عتاب الأشراف ثم نوديت يا أبا القاسم : أبعد الاتصال انفصال ؟ فقلت : لا يا ذا الجلال ، فما وضعت في اللحد حتى لحقت بربي . ورأى
شرح
( ورأى ) أبو القاسم ( الجنيد ) قدس سره ( إبليس في المنام ) وهو ( عريان ) على عادته من التظاهر يكشف عورته عند أهل الشر ليحسن لهم ذلك ويتعودوا به ( فقال له : ألا تستحيي من الناس ) تكشف عورتك ؟ ( فقال : وهؤلاء ناس ) أي ليسوا بناس يستحى منهم إنما ( الناس ) الذين يستحى منهم ( أقوام في مسجد الشونيزية ) أحد مساجد بغداد وفي نسخة الشونيزي ( قد أضنوا جسدي وأحرقوا كبدي ) بكثرة مراقبتهم وتوجههم إلى اللّه تعالى . ( قال الجنيد : فلما انتبهت غدوت إلى المسجد ) المذكور ( فرأيت جماعة ) استقبلوا القبلة ( قد وضعوا رؤوسهم على ركبهم يتفكرون ) في آلاء اللّه ويذكرون اللّه ، ( فلما رأوني ، قالوا ) لي : مكاشفة بما رأيته في النوم ( لا يغرنك حديث الخبيث ) يعني إبليس فإن كل ما يقوله شر لا خير فيه هكذا نقله القشيري في الرسالة . ولفظ ابن الملقن في الطبقات قال الجنيد : رأيت إبليس في المنام كأنه عريان فقلت له : أما تستحي من الناس ؟ فقال : باللّه هؤلاء عندك من الناس لو كانوا منهم لما تلاعبت بهم كما تتلاعب الصبيان بالكرة ، ولكن الناس غير هؤلاء . فقلت : ومن هم ؟ قال : قوم في مسجد الشونيزي قد أضنوا قلبي وأنحلوا جسمي كلما هممت بهم أشاروا باللّه فأكاد أحرق ، فانتبهت فلبست ثيابي وأتيت مسجد الشونيزي وعلي ليل ، فلما دخلت المسجد إذا أنا بثلاثة أنفس جلوس رؤوسهم في مرقعاتهم فلما أحسوا بي قد دخلت أخرج أحدهم رأسه ، وقال : يا أبا القاسم أنت كلما قيل لك شيء تقبل . ( ورؤي ) أبو القاسم إبراهيم بن محمد ( النصر اباذي ) شيخ خراسان في وقته صحب الشبلي وأبا علي الروذباري والمرتعش جاور بمكة سنة ست وستين ومات بها سنة سبع وستين وثلاثمائة وكان عالما بالحديث كثير الرواية ( بمكة بعد وفاته في النوم فقيل له : ما فعل اللّه بك ؟ قال : عوتبت عتاب الأشراف ) أي عتابا يسيرا ( ثم نوديت : يا أبا القاسم ) نودي بكنيته زيادة في تكرمته ( أبعد الاتصال انفصال ) أي أيليق بعد أن أوصلناك أن تلتفت لغيرنا هكذا قاله شارح الرسالة . والأنسب للسياق أيليق بعد أن أوصلناك أن نقطعك عنا ؟ ( فقلت : لا يا ذا الجلال ) أي لا يليق بكرمك ، ( فما وضعت في اللحد حتى لحقت بربي ) رواه القشيري في الرسالة إلا أنه قال : حتى لحقت بالأحد أي صرت عند اللّه في منزلة رفيعة من التقريب والإكرام ، وهذا من تتمة جواب ما فعل اللّه بك ولهم في الاتصال والانفصال اختلاف ، وقد فرقوا بين الوصول والاتصال بما هو مذكور في آخر العوارف .