تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
شرح
ومنها « من رآني في المنام فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتشبه بي » رواه أحمد من حديث أبي هريرة . ومنها « من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوّة » رواه ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري والترمذي في الشمائل ، وأبو عوانة من حديث أنس . ورواه أحمد أيضا ومسلم وابن ماجة من حديث أبي هريرة . ومنها « من رآني في المنام فقد رآني فإني أرى في كل صورة » رواه أبو نعيم من حديث أبي هريرة . ومنها « من رآني في المنام فقد رأى الحق إن الشيطان لا يتمثل بي » رواه الخطيب في المتفق والمفترق عن ثابت بن عبيد بن أبي بكرة عن أبيه عن جده . فهذه ألفاظ هذا الحديث وهو متواتر كما ذكره السيوطي وغيره ، والمعنى : من رآني في المنام بصفتي التي أنا عليها وكذا بغيرها على ما يأتي بيانها فقد رآني أي فليبشر بأنه رآني حقيقة أي رأى حقيقتي كما هي ، فلم يتحد الشرط والجزاء وهو في معنى الاخبار . أي من رآني فأخبره بأن رؤيته حق ليست بأضغاث أحلامية ولا تخيلات شيطانية ، ثم أردف ذلك بما هو تتميم للمعنى وتعليل للحكم فقال : « فإن الشيطان لا يتمثل بي » فإنه صلّى اللّه عليه وسلم وإن ظهر بجميع أسماء الحق وصفاته تخلقا وتحققا فمقتضى رسالته للخلق أن يكون الأظهر فيه حكما وسلطنة من صفات الحق الهداية والاسم الهادي والشيطان مظهر الاسم المضل والظاهر بصفة الضلالة وهما ضدان ، فلا يظهر أحدهما بصورة الآخر ، والنبي خلق للهداية ، فلو ساغ ظهور إبليس بصورته زال الاعتماد عليه ، فلذلك عصم صورته عن أن يظهر بها شيطان . فإن قيل : عظمة الحق تعالى أتم من عظمة كل عظيم مع أن اللعين يتراءى لكثير ويخاطبهم بأنه الحق فيضلهم . قلنا : كل عاقل يعلم أن الحق تعالى لا صورة له معينة توجب الاشتباه بخلاف النبي ، وأيضا مقتضى حكمة الحق أن يضل ويهدي من يشاء بخلاف النبي فإنه مقيد بالهداية ظاهر بصورتها ، فتجب عصمة صورته من مظهرية الشيطان . وقال عياض : لم يختلف العلماء في جواز صحة رؤية اللّه تعالى في النوم ، وان رؤي على صفة لا تليق بجلاله من صفات الأجسام ليحقق أن المرئي غير ذات اللّه ، إذ لا يجوز عليه التجسم ولا اختلاف الحالات بخلاف النبي ، فكانت رؤية اللّه تعالى في النوم من باب التمثيل والتخييل . وقال القرطبي : اختلف في الحديث فقال قوم من القاصرين : هو على ظاهره فمن رآه في النوم رآه حقيقة كما يرى في اليقظة وهو قول يدرك فساده ببادىء العقل ، إذ يلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها ، وأن يراه اثنان في وقت واحد في مكانين ، وأن يحيا الآن ويخرج من قبره ويخاطب الناس ويخلو قبره عنه فيزار غير جثته ويسلم على غائب لأنه يرى ليلا ونهارا على
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 389 | مرتضى الزبيدي