تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
مجزى به » ، فلا جرم لما كان ذلك مكشوفا له بعين اليقين كان في الدنيا كعابر سبيل لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة ، ولم يخلف دينارا ولا درهما ، ولم يتخذ حبيبا ولا خليلا . نعم قال : « لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الرحمن » ، فبين أن خلة الرحمن تخللت باطن قلبه وأن حبه تمكن من حبة قلبه فلم يترك فيه متسعا لخليل ولا حبيب ! وقد قال لأمته :
إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : 31 ] فإنما أمته من اتبعه ، وما اتبعه إلا من أعرض عن الدنيا وأقبل على الآخرة ، فإنه ما دعا إلا إلى اللّه واليوم الآخر وما صرف إلا عن الدنيا والحظوظ العاجلة ، فبقدر ما أعرضت عن الدنيا وأقبلت على الآخرة فقد سلكت سبيله الذي سلكه وبقدر ما سلكت سبيله فقد اتبعته ، وبقدر ما اتبعته فقد صرت من أمته ، وبقدر ما أقبلت على الدنيا عدلت عن سبيله ورغبت عن متابعته والتحقت بالذين قال اللّه تعالى فيهم :
فَأَمَّا مَنْ طَغى * وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى
[ النازعات : ]
شرح
ميت واعمل ما شئت فإنك مجزى به » ) تقدم ذلك . ( فلا جرم لما كان ذلك مكشوفا بعين اليقين كان في الدنيا كعابر سبيل ) . وقد روى أحمد وابن ماجة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أخذ ببعض جسد عبد اللّه بن عمر فقال : « يا عبد اللّه كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور » ( لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة ) تقدم ذلك ، ( ولم يخلف دينارا ولا درهما ) تقدم ذلك ، ( ولم يتخذ خليلا ولا حبيبا نعم قال « لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الرحمن » ) رواه مسلم من حديث ابن مسعود بلفظ « لاتخذت ابن أبي قحافة خليلا ولكن صاحبكم خليل اللّه عز وجل » وقد تقدم . ( فبين أن خلة الرحمن تخللت باطن قلبه وأن حبه تمكن من حبة قلبه فلم يترك فيه متسعا لخليل ولا حبيب ) وإليه أشار الشاعر بقوله :قد تخللت مسلك الحب مني * ولذا سمي الخليل خليلاقد تقدم الكلام عليه ( وقد قال تعالى لأمتهإِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) فجعل محبته موجبة لمحبة اللّه تعالى ، ( فإنما أمته من اتبعه ) وسلك منهاجه ( وما اتبعه إلا من أعرض عن الدنيا وأقبل على الآخرة ، فإنه ما دعا إلا إلى اللّه واليوم الآخر وما صرف إلا عن الدنيا والحظوظ العاجلة ، فبقدر ما أعرضت عن الدنيا وأقبلت على الآخرة فقد سلكت سبيله الذي سلكه ، وبقدر ما سلكت سبيله فقد اتبعته ، وبقدر ما اتبعته فقد صرت من أمته ) على الحقيقة ، ( وبقدر ما أقبلت على الدنيا عدلت عن سبيله ورغبت عن متابعته والتحقت بالذين قال اللّه تعالى فيهم :فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوىفلو خرجت من مكمن الغرور وأنصفت نفسك يا رجل وكلنا ذلك