تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
عن القلب ، فلذلك لا يوثق إلا برؤيا الرجل الصالح الصادق ومن كثر كذبه لم تصدق رؤياه ، ومن كثر فساده ومعاصيه أظلم قلبه فكان ما يراه أضغاث أحلام ، ولذلك أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالطهارة عند النوم لينام طاهرا . وهو إشارة إلى طهارة الباطن أيضا فهو الأصل وطهارة الظاهر بمنزلة التتمة والتكملة لها . ومهما صفا الباطن انكشف في حدقة القلب ما سيكون في المستقبل ، كما انكشف دخول مكة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في النوم حتى نزل قوله تعالى :
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ
[ الفتح : 27 ] . وقلما يخلو
شرح
برؤيا الرجل الصالح ) كما وقع به التقييد في حديث أنس ( الصادق ) أي الذي عوّد لسانه بالصدق ، ( ومن كثر كذبه لم تصدق رؤياه ) فإن كثرة الكذب موجبة للذنوب ، فقد روى العسكري في الأمثال من حديث ابن عمر « من كثر كذبه كثرت ذنوبه ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به » ومنشأ ذلك من كثرة الكلام . وروى الديلمي من حديث أنس « أصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا » . ( ومن كثر فساده ومعاصيه ) التي منشأها كثرة الكذب ( أظلم قلبه فكان ما يراه أضغاث أحلام ) لوجود حجاب الظلمة على القلب ، فلا ينكشف له الأمر على حقيقته والأضغاث أنواع : الأول : تلاعب الشيطان ليحزن الرائي كان يرى أنه قطع رأسه ، والثاني أن يرى بعض الأنبياء يأمره بمحرم أو محال . الثالث : ما تتحدث به النفس في اليقظة تمنيا فيراه كما هو في المنام ، ( ولذلك أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالطهارة عند النوم لينام طاهرا ) قال العراقي : متفق عليه من حديث البراء « إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة » الحديث اه . قلت : وتمامه « ثم اضطجع على شقك الأيمن ، ثم قل : اللهم أسلمت وجهي إليك وفوّضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك » الحديث وفيه « فان مت من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهن آخر ما تتكلم به » . ورواه كذلك أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة . ( وهو إشارة إلى طهارة الباطن أيضا فهو الأصل ، وطهارة الظاهر بمنزلة التتمة والتكملة لها ، ومهما صفا الباطن انكشف في حدقة القلب ما سيكون في المستقبل ) من الحوادث الكونية ، ( كما انكشف دخول مكة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في النوم حتى نزل قوله تعالى :لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ) لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ[ الفتح : 27 ] الآية . قال العراقي : رواه ابن أبي حاتم في تفسيره من رواية مجاهد مرسلا اه . قلت : ولفظه رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤسهم ومقصرين ، فلما نحر الهدي بالحديبية قال له أصحابه : أين رؤياك يا رسول اللّه ؟ فانزل اللّه تعالىلَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّإلى قولهفَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباًفرجعوا ففتحوا خيبر ، ثم اعتمر بعد ذلك فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة . وهكذا رواه أيضا الفريابي ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، والبيهقي في الدلائل . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس