بيان سؤال منكر ونكير وصورتهما وضغطة القبر وبقية القول في عذاب القبر :
قال أبو هريرة : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا مات العبد أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما منكر وللآخر نكير ، فيقولان له : ما كنت تقول في النبي ؟ فإن كان مؤمنا قال
شرح
العهد بغشاوة صفات الدنيا ، فكلما كانت صفاته في الموت أشد فهو للكشف أقبل ، فيفيض عند ذلك خزي الفضيحة ، ولذلك أضيف هذا إلى القيامة لأنه وسط بين منزلة القبر وبين دار القرار ، ولذلك قال اللّه تعالى :يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ[ التحريم : 8 ] أي يوم القيامة .
وأما حسرة فوات المحبوبات فتتولى عليه آخرا عند القرار في النار ، ففيها يقول :أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ[ الأعراف : 50 ] وذلك أن بعد العهد من الدنيا ربما يخفف عنه عذاب النوع إليها ، وطول العهد بالكشف يوجب خروجه عن خزي الافتضاح ، فإن صورة عذاب الخزي تكون عند هجوم الافتضاح ، ثم يألف الخزي والفضيحة إلفا مّا ، ثم عند فتورهما قليلا تنبعث حسرة الفوت إذ يظهر جلالة الفائت . ثم تبقى حسرة الفوت أخرى ، ويشبه أن يكون ذلك لا آخر له ، وهذا كله تعرفه قطعا إذا عرفت نفسك وعرفت أنك لا تموت ، لكن تعمي عينك وتصم أذنك وتفلج أعضاؤك . وأما الحقيقة التي أنت بها فلا تفنى بالموت أصلا بل يتغير حالك ويبقى جميع معارفك وإدراكاتك الباطنة وشؤنك ، وإنما يزيد تعذيبك بفراق ما تحب وافتضاحك بظهور ما ينكشف في تلك الحال وتحسرك على فوات ما تعرف قدره بعد الموت لا قبله ، وهذا كله مقدمات العذاب الحسي البدني ، وذلك أيضا حق وله ميعاد معلوم كما وردت به الآيات والأخبار ، فاقنع الآن بهذا القدر فإن هذا الكلام يكاد يجاوز حدّه مثل هذا الكتاب ، ولا بد أن يحرك سلسلة الحمقى والجاهلين ، ولكنهم أخس من أن يلتفت إليهم قال اللّه عز وجل :فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا * ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ[ النجم : 29 ، 30 ] ولنقتصر على هذا إلى هنا سياق المصنف في آخر كتاب الأربعين الذي ختم به كتابه جواهر القرآن واللّه الموفق .