شرح
عذاب دائم من الغثيان والقيء ، ويذكر تلك المخازي ويتحرى أن يطلع عليه أحد فيتضاعف خزيه ، فإذا هو بأبيه وجميع حشمه جاؤوا في طلبه واطلعوا على جميع مخازيه ؛ فهذا حال من تمتع .
بالدنيا ينكشف له ذلك في الآخرة روحه وحقيقته وهو معنى قوله تعالى :وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ[ العاديات : 10 ] وهو أن يعرض عليه حاصلها وهو روحها وحقيقتها ، وهو معنى قوله تعالى :يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ[ الطارق : 9 ] أي ينكشف من أسرار الأعمال وأرواحها القبيحة والحسنة ، وكما أن أطيب الأطعمة رجيعها أقذر وأنتن ، كذلك تنعمات الدنيا حاصلها وسرها في الآخرة أقبح وأفضح ، ولذلك شبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الدنيا بالطعام وعاقبتها بالرجيع .
الصنف الثالث : حسرة فوات المحبوبات ، فقدر نفسك كونك في جماعة من أقرانك دخلوا في ظلمة فكان فيها حجارة لا ترى ألوانها فقال أقرانك : تحمل من هذا ما نطيق فلعله يكون فيه ما ينتفع به إذا خرجنا من الظلمة . فقلت : ما ذا أصنع بها أتحمل في الحال ثقلها وأكد نفسي فيها وأنا لا أدري عاقبتها ما هذا إلا جهل عظيم ، فإن العاقل لا يترك الراحة فقدا لما يتوقعه نسيئة ولا يستيقنه ، فأخذ كل واحد من أقرانك ما أطاق وأعرضت أنت عن ذلك وسخرت منهم لأنهم يئنون تحت أعبائه وثقله وأنت مترفه في الطريق تغدو وتضحك منهم ، فلما جاوزوا الظلمة نظروا فإذا هي جواهر ويواقيت يساوي كل واحدة ألف دينار ، فأقبلوا على بيعها وتوصلوا بها على الجاه والنعمة وأصبحوا ملوك الأرضين ، فأخذوك واستخروك لتعهد دوابهم وينفقون عليك كل يوم قدرا يسيرا من فضلات الطعام ، فكيف ترى اشتعال نيران الحسرة في قلبك وبدنك بمعزل عنه ، وكم تقول يا حسرتا على ما فرطت في جنب اللّه ويا ليتنا نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ، ويقول لهم : أفيضوا علينا مما أفيض عليكم ، فيقولون : هذا حرام عليك ألم تكن تسخر منا وتضحك علينا ، فلا بدّ أن نسخر منك اليوم كما كنت تسخر منا ، فلا يزال ينقطع نياط قلبك من التسخر ولا ينفعك ، ولكن تتسلى وتقول : الموت يخلصني من هذا كله .
واعلم أن هذا الحال حال تارك الطاعات في الآخرة ، وكذلك ينكشف له ولكن لا مطمع في الموت المخلص بل حسرته أبدية وألمها يتضاعف كل يوم ، وإن كان البدن بمعزل عنها وعنه العبارة بقوله تعالى :أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ[ الأعراف : 50 ] وكذلك أنه تعالى يفيض على أهل المعرفة والطاعة من أنوار جمال الوجه ما يحصل به اللذة مبلغا لا يوازيه نعيم الدنيا ، بل يعطي آخر من يخرج من النار مثل الدنيا عشر مرات كما ورد به الخبر : لا بمعنى تضاعف المقدار بالمساحة بل بتضاعف الأرواح ، كما أن الجوهرة تكون .
قيمتها عشرة أمثال الفرس لا بالوزن والمقدار ، بل بروح المالية إذ قيمتها عشر أمثاله .
واعلم أن تحريم تلك الذات وإفاضتها عليهم ليس من جنس تحريم الرجل نعمته على عبده بغضب أو باختبار حتى يتصور تغير بل هو كتحريم اللّه تعالى على الأبيض أن يكون أسود في حالة البياض ، وعلى الحار أن يكون باردا في حال حرارته ، وذلك لا يتصور فيه التبديل بل مثال ذلك