تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
شرح
أن يقول للعامل الكامل رجل شيخ هرم وهو من الجهال الذي كان بليدا في أصل الفطرة ولم يمارس قط علما ولم يتعلم قط لغة : أفض علي من دقائق علومك . فيقول : إن اللّه تعالى حرمه على الجاهلين . معناه أن الاستعداد لقبوله إنما يكتسب بذكاء فطري وممارسة طويلة للعلم بعد تعلم اللغة والعربية وأمور أخر كثيرة ، وإذا بطل الاستعداد وفات استحالت الإفاضة كما يستحيل إفاضة الحرارة على البارد مع بقاء البرودة ، فلا تظن ان اللّه تعالى يغضب عليك ويعاقبك انتقاما ، ثم تخدع نفسك برجاء العفو فتقول : لم يعذبني ولم تضره معصيتي ، بل يلزم العقاب من المعصية كما يلزم الموت من السم . واعلم أن هذه الحسرة دائمة لأن منشأها تضاد صفتين لا يزول تضادهما أبدا . مثاله أن الذي تعلق بحبل في عنقه أو رجله إنما يتألم لتضاد صفتين لا لصورة الحبل والتعليق ، ولكن صفته الطبيعية تطلب الهوى إلى أسفل ، والمنع القهري بالحبل يمانع الصفة الطبيعية فيتولد الألم فيه من تمانعها ، فكذلك الروح الانساني الإلهي بأصل فطرته له بحكم الطبع حنين وشوق إلى عالم العلوي عالم الأرواح إلى موافقة الملأ الأعلى ، ولكن اغلال الشهوات وسلاسلها تجذبه إلى أسفل السافلين وهي شهوات الدنيا التي هي صفة عارضة قهرت الصفة الطبيعية ومنعتها عن نيل مقتضاها والألم يتولد من بينهما ، فالنار أيضا إنما تؤلم للمضادة فإن الملائم للتركيب بقاء الاتصال والنار تضاد الاتصال بالتفريق بالأجزاء ، ولو لم تكن قد رأيت النار فحدثت بأن شيئا لطيفا لينا يماس بدنك فيؤلمك لاستنكرته وقلت شيء لا صلابة فيه كيف يؤلمني . فاعلم أن التضاد مؤلم سواء كان بسبب خارج أو داخل ، فإن سم العقرب يبقى بالعضو ، ويؤلم لفرط برودته المضادة لحرارة البدن ، فلا تظنن أن الآلام كلها تدخل من خارج . فإن قلت : إن العقرب إنما لدغته من خارج ؟ فاعلم أن ألم العين وألم السن لا يقصر عنه وإنما سببه انصباب خلط من داخل مضاد لمزاج العين والسن ، وليس ذلك بأهون من لدغ الحية والعقرب . فاعلم أن تضاد الصفات على القلب يؤلم القلب إيلاما لا ينقص عما يؤلم السن والعين ، ومثاله في تضعيف الصفات أن البخيل المرائي إذا طلب منه عطية على ملأ من الناس عند من يريد أن يعرفوه بالسخاء يتألم قلبه لتضاد الصفتين ، إذ البخل يتقاضاه أن لا يعطي ، وحب الجاه يتقاضاه أن يعطي وقلبه بين هاتين الصفتين كشخص ينشر بمنشار نصفين ؛ فهذا مثال حسرة الفوات وعظمها وما ينكشف من جلاله بقدر الفائت ولا يعلمه بالحقيقة في هذا العالم ، بل في عالم الكشف وهو نبأ عظيم أنت عنه معرضون . واعلم أن هذه الأصناف الثلاثة لها ترتيب . فالصنف الأوّل : الذي يلقاه الميت المعذب هو حرقة فرقة المشتهيات ، وذلك تنين حب الدنيا ، ولذلك أضيف ذلك إلى القبر ، وإنما يسبق هذا لأن أغلب الأشياء على قلب الميت في حال فراقه ما يفوته من الدنيا من مال وجاه ومنصب ونعمة ، ثم بعد ذلك تنكشف له أرواح الأعمال وحقائقها القبيحة ، وذلك عند الانغمار التام في الموت وبعد
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 358 | مرتضى الزبيدي