Skip to main content

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — Page 356

Contributors:

P.356
Commentary
الحس انكشف له روح عمله لما كان بعد في عالم التخيل ، لأن النائم لا يزيل تخيله غشاوة الخيال إلا بمثال متخيل وهو الخاتم والختم به لكنه مثقال أدل على روح العمل من نفس الأذان ، لأن عالم المنام أقرب إلى عالم الآخرة ، والتلبس به أضعف قليلا وليس يخلو عن تلبيس ولأجله يحتاج إلى التعبير ، فلو قال قائل لهذا المؤذن : أما تستحي أن تختم أفواه الرجال وفروج النساء ؟ لقال : معاذ اللّه أن أفعل هذا ولأن أقوم فيضرب عنقي أحب إليّ من أن أفعل هذا فينكره لأنه يجهله مع أنه فعل لأن روحه قاصرة عن إدراك أرواح الأشياء ، وكذلك لو أكلت لحما طريا على اعتقاد أنه لحم طير فقال قائل : أما تستحي أن تأكل لحم أخيك الميت فلان ؟ لقلت : معاذ اللّه أن أفعل ذلك ولأن أموت جوعا أهون عليّ من ذلك ، فنظرت فإذا هو لحم أخيك الميت قد طبخ وقدم إليك ولبس عليك ، فانظر كيف تختزي وتفتضح به وبدنك بمعزل عن ألمه ، وكذلك المغتاب يرى نفسه في الآخرة لأن روح الغيبة تمزيق أعراض الإخوان والتفكه بها وفي عالم الآخرة تنكشف أرواح الأشياء وحقائقها ، وهذا روح حسدك لأخيك فإنك تحسده ولا يضره وينعكس عليك ويهلك دينك وتنقل حسناتك إلى ديوانه وهي قرة عينك لأنها سبب سعادة الأبد ، فهي أعذب من حرقة الولد ، فإذا انكشف لك هذا الروح فانظر كيف تحترق بنيران الفضيحة وبدنك بمعزل عنه ، فالقرآن كثيرا ما يعبر عن الأرواح فلذلك قال تعالى في الغيبة :أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً[ الحجرات : 12 ] وقال في الحسود :يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ[ يونس : 23 ] ويكفيك في الأمثال مثال الاذان والغيبة والحسد ، وقس عليه كل فعل نهاك الشرع عنه ، فذلك يفتح لك معرفة روح الفعل وحقيقته ، وحسن ظاهره كحسن البصر الظاهر ، وقبح باطنه كقبح البصيرة الباطنة من مشكاة نور اللّه تعالى ، وعن هذا عبّر الشارع صلّى اللّه عليه وسلم حيث قال « تعرض الدنيا يوم القيامة في صورة شوهاء زرقاء صفتها كيت وكيت لا يراها أحد إلا ويقول أعوذ باللّه منها » فيقال : هذه دنياكم التي كنتم بها تتهاوشون عليها فيصادفون في أنفسهم من الخزي والفضيحة ما يؤثرون النار عليه ، وإن أردت أن تفهم كيفية هذه الخجلة فاسمع حكاية الرجل من أبناء الملوك تزوج بأجمل امرأة من بنات الملوك ، فشرب تلك الليلة وسكر وأخطأ باب الحجرة وخرج وضلّ ورأى ضوء سراج فقصده على ظن أنه في حجرته ، فدخل الموضع فرأى جماعة قياما فصاح بهم فلم يجيبوه ، وظن أنهم قيام فطلب العروس فرأى واحدة نائمة في ثياب جديدة ، فظن أنها العروس فضاجعها وأخذ يقبلها ويغشاها وجعل لسانه في فيها ولسانها في فيه ويمتص ريقها متلذذا بذلك في سكره غاية التلذذ ، ويتمسح بالرطوبات التي تصيبه من جميع بدنها على ظن أن ذلك عطر ادخرته له ، فلما أصبح أفاق فإذا هو في ناروس المجوس ، وإذا النيام موتى ، وهذه عجوز شوهاء قريبة العهد بالموت عليها الحنوط وكفن جديد ، وإذا هو من فرقه إلى قدمه ملطخ من قاذوراتها ، ثم يتفكر في غشيانه لها وابتلاع ريقها ومخاطها فيهجم على قلبه من الخزي ما تمنى أن يخسف اللّه به الأرض حتى نسي ما جرى عليه ، ولا يزال يعاوده ذكره ولا ينساه أصلا بل يجد نفسه ما عملت من سوء محضرا تودّ لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا وبدنه بمعزل عن هذا الخزي والألم وهو في
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — Page 356 | مرتضى الزبيدي