تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
وانقطعت آثارهم . فمهما تذكر رجلا رجلا وفصل في قلبه حاله ، وكيفية موته وتوهم صورته ، وتذكر نشاطه وتردده وتأمله للعيش والبقاء ، ونسيانه للموت وانخداعه بمواتاة الأسباب ، وركونه إلى القوة والشباب ، وميله إلى الضحك واللهو وغفلته عما بين يديه من الموت الذريع والهلاك السريع ، وأنه كيف كان يتردد والآن قد تهدّمت رجلاه ومفاصله . وأنه كيف كان ينطق وقد أكل الدود لسانه . وكيف كان يضحك وقد أكل التراب أسنانه ، وكيف كان يدبر لنفسه ما لا يحتاج إليه - إلى عشر سنين - في وقت لم يكن بينه وبين الموت إلا شهر وهو غافل عما يراد به ، حتى جاء الموت في وقت لم يحتسبه ، فانكشف له صورة الملك وقرع سمعه النداء ، إما بالجنة أو بالنار ؛ فعند ذلك ينظر في نفسه أنه مثلهم وغفلته كغفلتهم وستكون عاقبته كعاقبتهم . قال أبو الدرداء رضي اللّه عنه : إذا ذكرت الموتى فعدّ نفسك كأحدهم . وقال ابن
شرح
مساجدهم ) ومدارسهم ( ومجالسهم ، وانقطعت آثارهم فمهما تذكر رجلا رجلا وفصل في قلبه حاله وكيفية موته وتوهم صورته وتذكر نشاطه وتردده وأمله للعيش والبقاء ونسيانه للموت وانخداعه بمؤاتاة الأسباب ) أي موافقتها ، ( وركونه إلى القوة والثبات وميله إلى الضحك واللهو وغفلته عما بين يديه من الموت الذريع والهلاك السريع ، وأنه كيف يتردد ، والآن قد تهدمت رجلاه ومفاصله وكيف كان ينطق و ) الآن ( قد أكل الدود لسانه وكيف كان يضحك ، و ) الآن ( قد أكل التراب أسنانه وأنه كيف كان يدبر لنفسه ما لا يحتاج إليه إلى عشر سنين في وقت لم يكن بينه وبين الموت إلّا شهر وهو غافل عما يراد به حتى جاءه الموت في وقت لم يحتسبه ، فانكشف له صورة الملك ) القابض للروح وهو عزرائيل عليه السلام ، ( وقرع سمعه النداء . إما بالجنة أو بالنار ) يشير إلى ما أخرجه الطبراني في الكبير عن عبد اللّه بن عمرو : إذا توفى اللّه المؤمن أتته الملائكة بحريرة بيضاء فيقولون : أخرجي إلى روح اللّه فتخرج كأطيب ريح المسك ، وأما الكافر فتأتيه ملائكة العذاب بمسح فيقولون : أخرجي إلى غضب اللّه فتخرج كانتن جيفة ، وقد رواه أبو بكر المروزي في الجنائز من حديث أبي هريرة نحوه وسيأتي . ( فعند ذلك ينظر في نفسه أنه مثلهم وغفلته كغفلتهم وستكون عاقبته كعاقبتهم . قال أبو الدرداء ) رضي اللّه عنه : ( إذا ذكرت الموتى فعد نفسك كأحدهم ) رواه أبو نعيم في الحلية من طريق أبي بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عبد اللّه بن مرة قال : قال أبو الدرداء : اعبدوا اللّه كأنكم ترونه وعدوا أنفسكم من الموتى واعلموا أن قليلا يغنيكم خير من كثير يلهيكم .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 31 | مرتضى الزبيدي