تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
بيان الطريق في تحقيق ذكر الموت في القلب : اعلم إن الموت هائل وخطره عظيم وغفلة الناس عنه لقلة فكرهم فيه وذكرهم له ، ومن يذكره ليس يذكره بقلب فارغ بل بقلب مشغول بشهوة الدنيا فلا ينجع ذكر الموت في قلبه . فالطريق فيه أن يفرغ العبد قلبه عن كل شيء إلا عن ذكر الموت الذي هو بين يديه ، كالذي يريد أن يسافر إلى مفازة مخطرة أو يركب البحر فإنه لا يتفكر إلا فيه ، فإذا باشر ذكر الموت قلبه . فيوشك أن يؤثر فيه وعند ذلك يقل فرحه وسروره بالدنيا وينكسر قلبه وأنجع طريق فيه أن يكثر ذكر أشكاله وأقرانه الذين مضوا قبله فيتذكر موتهم ومصارعهم تحت التراب ، ويتذكر صورهم في مناصبهم وأحوالهم ، ويتأمل كيف محا التراب الآن حسن صورهم ، وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم وكيف أرملوا نساءهم وأيتموا أولادهم وضيعوا أموالهم ، وخلت منهم مساجدهم ومجالسهم ،
شرح
وروى أبو نعيم في الحلية أن عمر بن عبد العزيز قال لميمون بن مهران : يا ميمون ما أرى القبر إلا زيارة ولا بدّ للزائر أن يرجع إلى منزله يعني إلى الجنة أو النار . وعن رجاء بن حيوة قال : ذكر عمر بن عبد العزيز الموت يوما فقال يتمثل :ألم تر أن الموت أدرك من مضى * فلم ينج منه ذو جناح ولا ظفر

بيان الطريق في تحقيق ذكر الموت في القلب

( اعلم ) بصرك اللّه تعالى ( أن الموت هائل ) فظيع ( وخطره عظيم ، و ) إنما ( غفلة الناس عنه لقلة فكرهم فيه ) فلا يخطر لهم ببال ( و ) لقلة ( ذكرهم له ) على ألسنتهم ، ( ومن يذكره ) قليلا أو كثيرا ( ليس يذكره بقلب فارغ ) عن الشواغل ، ( بل بقلب مشغول بشهوة الدنيا ) معلق بها ( فلا ينجع ذكر الموت في قلبه ) لأجل ذلك ( فالطريق فيه أن يفرغ العبد قلبه ) عن كل شيء إلا عن ذكر الموت الذي هو بين يديه كالذي ( يريد أن يسافر إلى مفازة مخطرة أو ) يريد أن ( يركب البحر فإنه لا يتفكر إلا فيه ) إن قام أو قعد ، ( فإذا باشر ذكر الموت قلبه فيوشك أن يؤثر فيه ، وعند ذلك ) أي إذا تحقق التأثير فمن علاماته أنه ( يقل فرحه وسروره بالدنيا وينكسر قلبه ) منها فلا يكون له في باطنه ميل إليها أصلا ، ( وأوقع طريق فيه ) أي أكثره وقعا في القلب ( أن يكثر ذكر أشكاله وأقرانه ) ولداته ( الذين مضوا قبله فيتذكر موتهم ومصارعهم تحت التراب ويتذكر صورهم ) الجميلة ( في مناصبهم وأحوالهم ) التي كانوا يتقلبون فيها ، ( ويتأمل كيف محا التراب الآن حسن صورهم ، وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم وكيف أرملوا نساءهم ) أي تركوهن أرامل بلا أزواج ، ( وأيتموا أولادهم ) أي تركوهم يتامى ( وضيعوا أموالهم وخلت منهم
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 30 | مرتضى الزبيدي