تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
شرح
سأل أن أراجعك فيه ، فقال : آته وقل له إن ربك يقول : إن الخليل يحب لقاء خليله ، فأتاه فقال له فقال : امض لما أمرت به . قال : يا إبراهيم هل شربت شرابا قط ؟ قال : لا . فاستنكهه فقبض نفسه على ذلك . فصل روى ابن أبي شيبة في المصنف ، عن عبد اللّه بن عيسى قال : كان فيمن كان قبلكم رجل عبد اللّه أربعين سنة في البر ، ثم قال : يا رب قد اشتقت أن أعبدك في البحر فأتى قوما فاستحملهم فحملوه وجرت بهم سفينتهم ما شاء اللّه أن تجري ، ثم قامت فإذا شجر في ناحية الماء فقال : ضعوني على هذه الشجرة فوضعوه وجرت بهم سفينتهم ، فأراد ملك أن يعرج إلى السماء فتكلم بكلامه الذي كان يعرج به فلم يقدر على ذلك . فعلم أن ذلك لخطيئة كانت منه ، فأتى صاحب الشجرة فسأله أن يشفع إلى ربه فصلى ودعا للملك وطلب إلى ربه أن يكون هو يقبض نفسه ليكون أهون عليه من ملك الموت ، فأتاه حين حضر أجله فقال : إني طلبت إلى ربي أن يشفعني فيك كما شفعك فيّ ، وأكون أنا أقبض نفسك فمن حيث شئت قبضتها فسجد سجدة فخرجت من عينه دمعة فمات . وروى ابن عساكر في تاريخه عن أبي زرعة قال ، قال لي نجيب بن أبي عبيد البشري : رأيت ملك الموت في النوم وهو يقول : قل لأبيك يصلي عليّ حتى أرفق به عند قبض روحه ، فحدثت أبي بما رأيت فقال : يا بني لأنا بملك الموت آنس مني بأمك . وروى ابن عساكر من طريق زيد بن أسلم عن أبيه قال : ذكرت حديثا رواه ابن عمر : ما حق امرئ مسلم يبيت ثلاث ليال إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه ، فدعوت بدواة وقرطاس لأكتب وصيتي فغلبني النوم فنمت ولم أكتبها ، فبينا أنا نائم ، إذ دخل داخل أبيض الثياب حسن الوجه طيب الريح فقلت : يا هذا من أدخلك داري ؟ قال : أدخلنيها ربها . قلت : من أنت ؟ قال : ملك الموت فرعبت منه فقال : لا ترع إني لم أؤمر بقبض روحك . قلت : فاكتب لي إذا براءة من النار . قال : هات دواة وقرطاسا فمددت يدي إلى الدواة والقرطاس الذي نمت عنه وهو عند رأسي فناولته ، فكتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم استغفر اللّه استغفر اللّه حتى ملأ ظهر الكاغد وبطنه ثم ناولنيه ، وقال : هذا براءتك رحمك اللّه وانتبهت فزعا ودعوت بالسراج ونظرت ، فإذا القرطاس الذي نمت وهو عند رأسي مكتوب ظهره وبطنه استغفر اللّه استغفر اللّه . فصل قال القرطبي : لا تنافي بين قوله تعالى :قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ[ السجدة : 11 ] وقوله :تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا[ الأنعام : 61 ]تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ[ النحل : 28 ] وقولهاللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ[ الزمر : 42 ] لأن إضافة التوفي إلى ملك الموت لأنه مباشر للقبض وللملائكة الذين هم أعوانه لأنهم يأخذون في جذبها من البدن فهو قابض وهم معالجون ، وإلى اللّه لأنه الفاعل على الحقيقة . وقال الكلبي : يقبض ملك الموت الروح ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 103 | مرتضى الزبيدي