عن شركة المشاركين ، والصلاة على نبيه محمد سيد المرسلين ، وعلى جميع النبيين وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين .
أما بعد ؛ فقد انكشف لأرباب القلوب ببصيرة الإيمان وأنوار القرآن أن لا وصول إلى السعادة إلا بالعلم والعبادة فالناس كلهم هلكى إلا العالمون ، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون ، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون ، والمخلصون على خطر عظيم . فالعمل بغير نية عناء ، والنية بغير إخلاص رياء ، وهو للنفاق كفاء ، ومع العصيان سواء ، والإخلاص من غير صدق وتحقيق هباء ، وقد قال اللّه تعالى في كل عمل كان بإرادة غير اللّه مشوبا مغمورا
شرح
أشرك فيه غيري فهو له كله وأنا أغنى الشركاء عن الشرك » . ( والصلاة ) مع السلام ( على نبيه ) سيدنا ( محمد سيد المرسلين ) أي رئيسهم ومقدمهم ( وعلى جميع ) إخوانه من ( النبيين ) والمرسلين ( وعلى آله الطيبين ) في أنفسهم ( الطاهرين ) عن الرذائل والأدناس .
( أما بعد ، فقد انكشف لأرباب القلوب ) أي أهل الباطن ( ببصيرة الإيمان ) بما قر فيها من نوره ( وأنوار القرآن ) أي بما تجلى عليها منها ( أن لا وصول إلى السعادة ) الأبدية التي لا شقاء بعدها ( إلا بالعلم ) الذي هو الأصل الأعظم في كل مقام من مقامات الإيمان ( والعبادة ) التي يثمرها الحال المنتج عن العلم ، ( فالناس كلهم هلكى ) أي هالكون في بحر الضلالة والجهل ( إلا العالمون ) فبعلمهم يخلصون أنفسهم من هلاك الجهل ، ( والعالمون كلهم هلكى ) أي هالكون في بحر الحيرة والدهش ( إلا العاملون ) بمقتضى علومهم ، ( والعاملون كلهم هلكى ) في بحر العجب والرياء ( إلا المخلصون ) للّه في أعمالهم ، ( والمخلصون ) مع ذلك ( على خطر عظيم ) لا يدرون كيف يختم لهم خائفون من خفي مكر اللّه تعالى ، وهذا القول نسب إلى سهل التستري رحمه اللّه تعالى .
قال الخطيب في كتاب اقتضاء العلم العمل ، أخبرنا الحسن بن محمد الخلال ، حدثنا محمد بن عبد اللّه الشيباني قال : سمعت عبد الكريم بن كامل يقول : سمعت سهل بن عبد اللّه التستري يقول :
الناس كلهم سكارى إلا العلماء ، والعلماء كلهم حيارى إلا من عمل بعلمه .
قال : وأخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن فضالة الحافظ ، أخبرنا أبو أحمد الغطريفي ، حدثنا بكر ابن أحمد بن سعدويه قال : قال سهل بن عبد اللّه : الدنيا جهل وموت إلا العلم والعلم كله حجة إلا العمل به والعمل كله هباء إلا الإخلاص والإخلاص على خطر عظيم حتى يختم به .
( فالعمل بغير نية ) تصاحبه ( عناء ) أي تعب ( والنية بغير إخلاص رياء وهو للنفاق كفاء ) أي مكافىء له وقرين ( ومع العصيان سواء ) أي في مرتبة واحدة ( والإخلاص من غير صدق وتحقيق ) بأن يطابق القول الضمير والمخبر عنه معا ( هباء ) وهو ما يرى في ضوء الشمس من الذرات ، ( وقد قال اللّه تعالى في ) شأن ( كل عمل ) صادر من العامل ، ( وكان