حصر له ، فإن الحيوانات وأشكالها وأخلاقها وطباعها غير محصورة ، وإنما سقط تعجب القلوب منها لأنسها بكثرة المشاهدة ، نعم إذا رأى حيوانا غريبا ولو دودا تجدد تعجبه قال : سبحان اللّه ما أعجبه ! والإنسان أعجب الحيوانات وليس يتعجب من نفسه ، بل لو نظر إلى الأنعام التي الفها ونظر إلى أشكالها وصورها ، ثم إلى منافعها وفوائدها من جلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها التي جعلها اللّه لباسا لخلقه وأكنانا لهم في ظعنهم وإقامتهم وآنية لأشربتهم وأوعية لأغذيتهم وصوانا لأقدامهم وجعل ألبانها ولحومها أغذية لهم ، ثم جعل بعضها زينة للركوب وبعضها حاملة للأثقال قاطعة للبوادي والمفازات البعيدة لأكثر الناظر التعجب من حكمة خالقها ومصوّرها ، فإنه ما خلقها إلا بعلم محيط بجميع منافعها سابق على خلقه إياها فسبحان من الأمور مكشوفة في علمه من
شرح
أحداقها ، وجاعلة الليل سراجا تستدل به في التماس أرزاقها ، فلا يرد أبصارها اسداف ظلمته ولا تمتنع من المضي فيه لغسق دجنته ، فإذا ألقت الشمس قناعها وبدت أوضاح نهارها ودخل إشراق نورها على الضباب في وجارها أطبقت الأجفان على مآقيها وتبلغت بما اكتسبته من المعاش في ظلم لياليها . فسبحان من جعل الليل لها نهارا ومعاشا والنهار سكنا وقرارا ، وجعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة إلى الطيران كأنها شظايا الآذان غير ذوات ريش ولا قصب ، إلا أنك ترى مواضع العروق بينة أعلاما لها جناحان لم يرقا فينشقا ولم يغلظا فيثقلا ، تطير وولدها لاصق بها لاجيء إليها يقع إذا وقعت ويرتفع إذا ارتفعت ، لا يفارقها حتى تشتد أركانه ويحمل للنهوض جناحه ، ويعرف مذاهب عيشه ومصالح نفسه . فسبحان البارىء لكل شيء على غير مثال خلا من غيره .
( وهذا الباب أيضا لا حصر له فإن الحيوانات وأشكالها وأخلاقها وطباعها غير محصورة ، وإنما سقط تعجب القلوب منها لانسها بكثرة المشاهدة . نعم إذا رأى حيوانا غريبا ) في شكله ( ولودودا تجدد ) عند رؤيته ( تعجبه وقال : سبحان اللّه ما أعجبه ! والإنسان أعجب الحيوانات ) إن تأمل فيه ( وليس يتعجب من نفسه ) وحينئذ يقال له :أتحسب انك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر( بل لو نظر إلى الانعام التي ألفها ونظر إلى أشكالها وصورها إلى منافعها وفوائدها ) التي خصها اللّه بها ( من جلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها التي جعلها اللّه تعالى لباسا لخلقه وأكنانا في ظعنهم وإقامتهم وآنية لأشربتهم وأوعية لأغذيتهم وصوانا لأقدامهم وجعل ألبانها ولحومها أغذية لهم ، ثم جعل بعضها زينة للركرب وبعضها حاملة للأثقال قاطعة للبوادي والمفازات ) قال اللّه تعالى :وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً[ النحل : 8 ] وقال تعالى :وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ[ النحل :
7 ] ( لأكثر الناظر التعجب من حكمة خالقها ومصوّرها فإنه ما خلقها إلا بعلم محيط بجميع