تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
شرح
فيه ، ومنها مغموس في لون صبغ قد طوّق بخلاف ما صبغ به ، ومن أعجبها خلق الطاوس الذي أقامه في أحكم تعديل ونضد ألوانه في أحسن تنضيد بجناح أشرج قصبه وذنب أطال مسحبه ، إذا درج إلى الأنثى نشره من طيه وسما به مطلا على راسيه كأنه قلع دارىء عنجه نؤتيه يختال بألوانه ويميس بزيفانه ، يفضي كإفضاء الديكة ويئر بملاقحة ار الفحول المغتلمة أحيلك من ذلك على معاينة لا كمن يحيل على ضعيف إسناده ، ولو كان كزعم من يزعم أن يلقح بدمعة تسفحها مدامعه فتقف في دفتي جفونه ، وأن أنثاه تطعم ذلك ثم تبيض لا من لقاح فحل سوى الدمع المنبجس لما كان ذلك بأعجب من مطاعمة الغراب تخال قصبه مداري من فضة ، وما أنبت عليه من عجيب داراته وشموسه خالص العقيان وفلذ الزبرجد ، فإن شبهته بما أنبتت الأرض قلت جنى من زهرة كل ربيع ، وإن ضاهيته بالملابس فهو كموشى الحلل أو مونق عصب اليمن ، وإن شاكلته بالحلى فهو كفصوص ذات ألوان قد نطقت باللجين المكلل يمشي مشي المرح المختال ويتصفح ذنبه وجناحه فيقهقه ضاحكا لجمال سرباله وأصابيغ وشاحه ، فإذا رمى ببصره إلى قوائمه زقا معولا بصوت يكاد يبين عن استغاثته ويشهد بصادق توجعه ، لأن قوائمه حمش كقوائم الديكة الخلاسية ، وقد نجمت من ظنبوب ساقه صيصية خفية ، وله في موضع العرف فنزعة خضراء موشاة ومخرج عنقه كالإبريق ومغرزها إلى حيث بطنه كصبغ الوسمة اليمانية أو كحريرة ملتبسة مرآة ذات صقال ، وكأنه متلفع بمعجر أسحم إلا أنه يخيل لكثرة مائه وشدة بريقه أن الخضرة الناضرة ممتزجة به ، ومع فتق سمعه خط كمستدق القلم في لون الأقحوان أبيض يقق فهو ببياضه في سواد ما هنالك يأتلق ، وقل صبغ إلا وقد أخذ منه فبقسط وعلاه بكثرة صقاله وبريقه وبصيص ديباجه ورونقه ، فهو كالأزاهير المبثوثة لم تر بها أمطار ربيع ولا شموس قيظ ، وقد ينحسر من ريشه ويعرى من لباسه فيسقط تترا وينبت تباعا فيخت من قصبة انختات أوراق الأغصان ثم يتلاحق ثانيا حتى يعود كهيئته قبل سقوطه ، لا يخالف سالف ألوانه ولا يقع لون في غير مكانه ، وإذا تصفحت شعرة من شعرات قصبه أرتك حمرة وردية وقارة خضرة زبرجدية وأحيانا صفرة عسجدية ، فكيف تصل إلى صفة هذا عمائق الفطن أو تبلغه قرائح العقول أو تتنظم وصفه أقوال الواصفين ، وأقل أجزائه قد أعجز الأوهام عن أن تدركه والألسنة أن تصفه . فسبحان الذي بهر العقول عن وصف خلق قد جلاه للعيون فأدركته محدودا مكونا ومؤلفا ملونا ، وأعجز الألسن عن تلخيص صفته وقعد بها عن تأدية نعته . فسبحان من أدمج قوائم الذرة والهمجة إلى ما فوقها من خلق الحيتان والفيلة ووأي على نفسه أن لا يضطرب شبح ما أولج فيه الروح إلا وجعل الحمام موعده والفناء غايته . وقال رضي اللّه عنه في خطبة يذكر فيها بدائع خلقة الخفاش : ومن لطائف صنعته وعجائب خلقته ما أرانا من غوامض الحكمة في هذه الخفافيش التي يقبضها الضياء الباسط لكل شيء ، ويبسطها الظلام القابض لكل حي ، وكيف غشيت أعينها عن أن تستمد من الشمس المضيئة نورا تهتدي به في مذاهبها ، وتصل بعلانية برهان الشمس إلى معارفها وردعها بتلألؤ ضيائها عن المضي في سبحات إشراقها وأكنها في أماكنها عن الذهاب في بلج ائتلافها فهي مسدلة الجفون بالنهار على
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 386 | مرتضى الزبيدي