تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
البهائم بكثير إذ لا قدرة للبهيمة على ذلك وأما هو فقد خلق اللّه له القدرة ثم عطلها وكفر نعمة اللّه فيها ، فأولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا . وإذا عرفت طريق الفكر في نفسك فتفكر في الأرض التي هي مقرك ثم في أنهارها وبحارها وجبالها ومعادنها ثم ارتفع معها إلى ملكوت السماوات . أما الأرض : فمن آياته أن خلق الأرض فراشا ومهادا وسلك فيها سبلا فجاجا وجعلها ذلولا لتمشوا في مناكبها ، وجعلها قارّة لا تتحرك ، وأرسى فيها الجبال أوتادا لها تمنعها من أن تميد . ثم وسع أكنافها حتى عجز الآدميون عن بلوغ جميع جوانبها وإن
شرح
كذلك ( فإنه شرّ من البهائم ) وأخس حالا منها ( بكثير إذ لا قدرة للبهيمة على ذلك ، وأما هو فقد خلق له القدرة ) التامة على الوصول إلى القرب ( ثم عطلها وكفر نعمة اللّه فيها ) إذ لم يستعملها فيما تقربه إلى اللّه تعالى ، ( فأولئك ) الذين قيل في حقهم : (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) [ الفرقان : 44 ] . ومن كلام أمير المؤمنين رضي اللّه عنه في صفة خلق الإنسان : أم هذا الذي أنشأه في ظلمات الأرحام وشغف الاستار نطفة دفاقا وعلقة محاقا وجنينا وراضعا ووليدا يافعا ، ثم منحه قلبا حافظا ولسانا لافظا وبصرا لاحظا ليفهم معتبرا ويقصر مزدجرا ، حتى إذا قام اعتداله واستوى مثاله نفر مستكبرا وخبط سادرا ما تحافى غرب هداه كادحا سعيدا لدنياه في لذات طربه وبدوات أربه لا يحتسب رزية ولا يخشع تقية ، فمات في فتنة غريرا وعاش في هفوته يسيرا لم يفد عوضا ولم يقض مفترضا . ومن كلامه رضي اللّه عنه : أيها المخلوق السوي والمنشأ المرعى في ظلمات الأرحام ومضاعفات الاستار بدئت من سلالة من طين ووضعت في قرار مكين إلى قدر معلوم وأجل مقسوم ، وتمور في بطن أمك جنينا لا تحير دعاء ولا تسمع نداء ، ثم أخرجت من مقرك إلى دار لم تشهدها ولم تعرف سبل منافعها ، فمن هداك لاجترار الغذاء من ثدي أمك ، وعرفك عند الحاجة مواضع طلبك وإرادتك . هيهات ! إن من يعجز عن صفات ذي الهيئة والأدوات فهو من صفات خالقه أعجز ، ومن تناوله بحدود المخلوقين أبعد . ( وإذا عرفت طريق الفكر في نفسك فتفكر في الأرض التي هي مقرك ثم في أنهارها وبحارها وجبالها ومعادنها ، ثم ارتفع منها إلى ملكوت السماء . ( أما الأرض ؛ فمن آياته ) الدالة على عظم قدرته ( أن خلق الأرض فراشا ) أي بساطا وفرشها أي بسطها فعال بمعنى مفعول ككتاب بمعنى مكتوب ( مهادا ) وهو بمعناه ( وسلك فيها سبلا فجاجا ) أي طرقا واضحة واسعة ، ( وجعلها ذلولا ) أي لينة منقادة ( لتمشوا في مناكبها ) أي جوابها ، ( وجعلها قارة ) غير مضطربة ( وأرسى فيها الجبال أوتادا تمنعها من أن تميد ) أي تتحرك وتضطرب ، ( ثم وسع أكنافها حتى عجز الآدميون عن بلوغ جميع
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 377 | مرتضى الزبيدي