حنن قلوب الوالدين عليه للقيام بتدبيره في الوقت الذي كان عاجزا عن تدبير نفسه .
فلو لم يسلط اللّه الرحمة على قلوبهما لكان الطفل أعجز الخلق عن تدبير نفسه . ثم انظر كيف رزقه القدرة والتمييز والعقل والهداية تدريجا حتى بلغ وتكامل ، فصار مراهقا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا ؛ إما كفورا أو شكورا مطيعا أو عاصيا مؤمنا أو كافرا تصديقا لقوله تعالى :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا
شرح
بعدها ، فسبحانه ) جلّ ثناؤه ( كيف أخرج تلك العظام الصلبة في تلك اللثات اللينة ) وهذا على القول الصحيح أن الأسنان هي عظام صلبة قابلة للكسر غير مدركة لألم السحق والنحت كما تقدم قريبا ، وفي ذلك أن الطفل لا يحتاج إلى الأسنان في أوّل الأمر لأن غذاء من اللبن وفكّاه صغيران وعظامهما ضعيفة ، لكون ما نبت منها مناسبا لها في الضعف والصغر ، فلم يف بما يحتاج إليه من المضغ والكسر وغير ذلك إلى آخر العمر ، فالعناية الأزلية اقتضت تأخير خروجها ونباتها إلى حين الحاجة والاستعداد التام للوفاء بما هو المطلوب منها من الشكل والعظم والقوّة والصلابة وغيرها . ( ثم حنن قلوب الوالدين عليه للقيام بتدبيره في الوقت الذي كان عاجزا عن تدبير نفسه ، فلو لم يسلط اللّه الرحمة على قلوبهما لكان الطفل أعجز الخلق عن تدبير نفسه ، ثم انظر كيف رزقه القدرة والتمييز والعقل والهداية ) والرشد ( تدريجا ) شيئا فشيئا ( حتى بلغ وتكامل فصار مراهقا ) بعد أن كان طفلا وصبيا ، ( ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا ) وفي كفاية المتحفظ لأبن الأجدابي : الولد ما دام في بطن أمه فهو جنين ، فإذا ولد سمي صبيا ، فإذا فطم سمي غلاما إلى سبع سنين ، ثم يصير يافعا إلى عشر حجج ، ثم يصير حزور إلى خمس عشرة سنة انتهى .
وقال الأطباء : الأسنان أربعة سن النموّ ويسمى سن الحداثة وهو إلى قريب من ثلاثين سنة ، ثم سن الوقوف ويسمى سن الشباب وهو إلى أربعين سنة ، ثم سن الانحطاط ويسمى سن الكهولة وهو إلى نحو من ستين سنة ، ثم سن الانحطاط ويسمى سن الشيخوخة وهو إلى آخر العمر .
وقد أشار المصنف إلى هذه الأربعة . وسن الحداثة ينقسم إلى سن الطفولة وهو قبل النهوض وإلى سن الصبا وهو بعد النهوض وقبل الشدة ، ثم سن الترعرع وهو بعد الشدة وقبل المراهقة ، ثم سن الغلامية والرهاق التي تبقل وجهه ثم سن الفتى إلى أن يقف النموّ ( إما كفورا وإما شكورا ومطيعا أو عاصيا ، مؤمنا أو كافرا ) تصديقا لقوله تعالى :هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِاستفهام تقرير وتقريب (حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) طائفة محدودة من الزمان الممتد الغير المحدود (لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً) بالإنسانية كالعنصر والنطفة والمراد بالإنسان الجنس لقوله : (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ) أو المراد به آدم بين أولا خلقه ثم خلق بنيه (أَمْشاجٍ) أي أخلاط وتقدم الكلام عليه قريبا (نَبْتَلِيهِ) أي مبتلين له بمعنى مريدين اختباره (فَجَعَلْناهُ