محجوب عن مطلب الصدّيقين وهو التنعم بالفكر في جلال اللّه تعالى ، وجماله واستغراق القلب بحيث يفنى عن نفسه ، أي ينسى نفسه وأحواله ومقاماته وصفاته فيكون مستغرق الهم بالمحبوب ؛ كالعاشق المستهتر عند لقاء الحبيب فإنه لا يتفرّغ للنظر في أحوال نفسه وأوصافها ، بل يبقى كالمبهوت الغافل عن نفسه وهو منتهى لذة العشاق . فأما ما ذكرناه فهو تفكر في عمارة الباطن ليصلح للقرب والوصال ، فإذا ضيع جميع عمره في إصلاح نفسه فمتى يتنعم بالقرب ؟ ولذلك كان الخواص يدور في البوادي فلقيه الحسين بن منصور وقال : فيم أنت ؟ قال : أدور في البوادي أصلح حالي في التوكل ، فقال الحسين :
أفنيت عمرك في عمران باطنك فأين الفناء في التوحيد ؟ فالفناء في الواحد الحق هو غاية مقصد الطالبين ومنتهى نعيم الصدّيقين . وأما التنزه عن الصفات المهلكات فيجري مجرى الخروج عن العدّة في النكاح . وأما الاتصاف بالصفات المنجيات وسائر الطاعات فيجري مجرى تهيئة المرأة جهازها وتنظيفها وجهها ومشطها شعرها لتصلح بذلك للقاء زوجها ، فإن استغرقت جميع عمرها في تبرئة الرحم وتزيين الوجه كان ذلك حجابا لها عن لقاء
شرح
( فليس هو غاية المطلب ) للسالكين ولا هو الحد الذي يقفون عليه ، ( بل المشغول به محجوب عن مطلب الصديقين وهو التنعم بالفكر في جلال اللّه تعالى وجماله واستغراق القلب ) فيه ( بحيث يفنى عن نفسه أي ينسى نفسه وأحواله ومقاماته صفاته ، فيكون مستغرق الهم بالمحبوب كالعاشق المستهتر عند لقاء الحبيب فإنه لا يتفرغ للنظر في أحوال نفسه وأوصافها بل يبقى كالمبهوت الغافل عن نفسه ) لا يحس بنفسه أصلا ( وهو منتهى لذة العشاق ) الصادقين . ( فأما ما ذكرناه فهو تفكر في عمارة الباطن ليصلح للقرب والوصال ، فإذا ضيع جميع عمره في إصلاح نفسه فمتى يتنعم بالقرب ، ولذلك كان ) إبراهيم بن أحمد ( الخواص ) رحمه اللّه تعالى ( يدور في البوادي ) المتقطعة على قدم التوكل ويقاسي فيها أهوالا من نفسه ومن الجن ، ( فلقيه ) أبو المغيث ( الحسين بن منصور ) الحلاج رحمه اللّه تعالى ( وقال ) له : ( فيم أنت ) وكيف سلوكك ؟ ( قال : أدور في البوادي أصلح حالي في التوكل . فقال :
أفنيت عمرك في عمران باطنك فأين ) أنت عن ( الفناء في التوحيد ) ؟ رواه القشيري في الرسالة وتقدم في كتاب التوكل . وقال : وكان الحلاج طالبه بالمقام الثالث من التوكل . ( فالفناء في الواحد الحق هو غاية مقصد الطالبين ومنتهى نعيم الصديقين ) وما بعده مرقى للسالكين ، ( وأما التنزه عن الصفات المهلكات ) فإنه ( يجري مجرى الخروج عن العدة في النكاح ، وأما الاتصاف بالصفات المنجيات وسائر الطاعات ) فإنه ( يجري مجرى تهيئة المرأة جهازها ) أي أسبابها من لبس وفرش وغير ذلك ( وتنظيفها وجهها ) بالتخفيف ( ومشطها شعرها ) واستعمالها الطيب ( لتصلح بذلك للقاء زوجها ) وتقع من قلبه موقع المحبة والإعجاب ، ( فإن استغرقت ) هي ( جميع عمرها في تبرئة الرحم وتزيين الوجه ) وإحضار الملابس ( كان ) ذلك ( حجابا