تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
غيرك ما لم تشتغل أولا بوعظ نفسك . أوحى اللّه تعالى إلى عيسى عليه السلام يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني ؛ وقال تعالى :
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
[ الذاريات : 55 ] ، وسبيلك أن تقبل عليها فتقرر عندها جهلها وغباوتها وأنها أبدا تتعزز بفطنتها وهدايتها ، ويشتدّ أنفها واستنكافها إذا نسبت إلى الحمق فتقول لها : يا نفس ما أعظم جهلك تدعين الحكمة والذكاء والفطنة وأنت أشدّ الناس غباوة وحمقا ؛ أما تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار وإنك صائرة إلى إحداهما على القرب ؟ فما لك تفرحين وتضحكين وتشتغلين باللهو وأنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم وعساك اليوم تختطفين أو غدا ، فأراك ترين الموت بعيدا ويراه اللّه قريبا ؟ أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب وأن البعيد ما ليس بآت ؟ أما تعلمين أن الموت يأتي بغتة من غير تقديم رسول ومن غير مواعدة وموطأة وأنه لا يأتي في شيء ، دون شيء ، ولا في شتاء دون صيف ولا في صيف دون شتاء ، ولا في نهار دون ليل ولا في ليل دون نهار ، ولا يأتي في الصبا دون الشباب ولا في الشباب دون الصبا ، بل كل نفس من الأنفاس يمكن أن يكون فيه الموت فجأة فإن لم يكن الموت فجأة فيكون المرض فجأة ،
شرح
بوعظ نفسك ) ، فقد ورد أنه ( أوحى اللّه تعالى إلى عيسى عليه السلام : يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وألا فاستح مني ) رواه أحمد في الزهد عن مالك بن دينار . وقال أبو نعيم في الحلية : حدثنا الحسين بن محمد بن علي ، حدثنا أحمد بن محمد بن معاوية ، حدثنا سليمان بن داود القزاز ، حدثنا سيار ، حدثنا جعفر قال : سمعت مالك بن دينار يقول : أوحى اللّه تعالى إلى عيسى عليه السلام يا عيسى عظ نفسك فذكره . ( وقال تعالى :وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَوسبيلك أن تقبل عليها فتقرر عندها جهلها وغباوتها ) وحمقها ( وأنها أبدا تتعزز بفطنتها وهدايتها ، ويشتد أنفها واستنكافها إذا نسبت إلى الحمق ) والغباوة ( فتقول لها : يا نفس ما أعظم جهلك تدعين الحكمة والذكاء والفطنة وأنت أشد الناس غباوة وحمقا ! أما تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار وأنت صائرة إلى إحداهما على القرب ؟ فمالك تفرحين وتضحكين وتشتغلين باللهو ) واللعب ( وأنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم وعساك اليوم تختطفين ) من بين أهلك وأحبابك ( أو غدا ، فأراك ترين الموت بعيدا ويراه اللّه قريبا ! أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب ) وكأن قد ( وأن البعيد ما ليس بآت . أما تعلمين أن الموت يأتي بغتة من غير تقديم رسول ) منه ينبهك على إتيانه ( ومن غير مواعدة ومواطأة ) لمجيئه ، ( وأنه لا يأتي شتاء دون صيف ولا في صيف دون شتاء ، ولا في نهار دون ليل ولا في ليل دون نهار ، ولا يأتي في الصبا دون الشباب ولا في الشباب دون الصبا ، بل كل نفس من الأنفاس يمكن أن
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 280 | مرتضى الزبيدي