إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 210
تحت نظر اللّه تعالى حتى لا يبقى لها بالتدريج أثر من الوجود فيفنى عن وجوده الإمكاني ولا يشاهد فيه ولا في الأشياء كلها إلا وجود الحق سبحانه وقد وصل . فصل [ في شروط المراقبة وآدابها ] في شروط المراقبة وآدابها التي من داوم عليها يترقى منها إلى مقام المشاهدة . فشروطها أن تكون المراقبة بإذن الشيخ وتعليمه وتربيته وتلقينه ، وأن تكون مع الجذبة القوية وبعد قطع العلائق الحسية والمعنوية ، وبعد ترك النسب والإضافات ، وبعد الوقوف عند الواردات . وأما آدابها ، فهي دوام السكوت وملازمة البيوت وكف الحواس عن الإحساس وتعطيل القوى عن الإدراك وترك الاشتغال بالكتابة ومطالعة الكتب والإعراض عن اتباع النفس في طلب العلوم والمعرفة ومخالفة الهوى وترك الآمال والأطماع والخروج عن كل داعية تدعو إلى السوى والسعي في طريق الوصول إلى اللّه تعالى ودوام التوجه إلى لقائه وترك الطمع عن المقامات والاجتناب عن الكرامات والتأدب مع اللّه في الظاهر والباطن ، ومراقبته في جميع المظاهر ، فمن داوم على المراقبة بهذه الشروط والآداب يتقرب إلى ذلك الجناب ، ويبلغ مبلغ الرجال ، ويشاهد الجلال والجمال ، وتصح له التربية والتلقين والإرشاد إلى رب العالمين . فصل قالوا : المراقبة من أقرب الطرق إلى اللّه تعالى من حيث التقرب إليه ، وهذه الأقربية ليست على إطلاقها بالنسبة إلى أهل الجذبة ، فإنها أقرب الطرق في حقهم . وأما بالنسبة إلى السالك فتكون أبعد الطرق لأن السلوك يقتضي الرياضيات والمجاهدات في أوائله فلا تنفعه المراقبة ابتداء ، وهذا موكول إلى فراسة الشيخ البصير العارف ، فإن رأى في مريده الجذبة الإلهية غالبة عليه شغله بمراقبة اسم الذات ، وإن رآه عاريا عنها أمره بالنفي والإثبات وملازمة الرياضات حتى يتمكن الذكر من قلبه فينجذب إلى اللّه تعالى بقلبه ، فحينئذ يشغله بالمراقبة وذلك على الترتيب والتدريج . وقد قالوا : إن اسم الذات ذكر المجردين عن قيد السوى والنفي والإثبات ذكر المقيدين بقيد السوى ، لأن مقام صاحب اسم الذات فرق مجرد كما أشار إليه قوله تعالى : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ [ الأنعام : 91 ] الخ . ومقام صاحب النفي والإثبات فرق مقيد كما أشار إليه الحديث : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه » فلكون اسم الذات من الأسماء الجبروتية ، والنفي والإثبات من الأسماء الملكية كان الوصول بذكر اسم الذات إلى عالم الجبروت لأهل الجذبة أقرب من الوصول إليه بذكر النفي والإثبات ، وحيث قد فرغنا من ذكر المراقبة ومتعلقاتها فلنعد إلى شرح كلام المصنف قال رحمه اللّه تعالى .