الدوام والاتصال وشرح ذلك بطول وفيما ذكرناه تنبيه على المنهاج لمن أحكم الأصول .
شرح
( فهذه المرابطة الثانية بمراقبة الأعمال على الدوام والاتصال وشرح ذلك يطول وفيما ذكرناه تنبيه على المنهاج لمن أحكم الأصول ) ، وحيث انتهى الكلام على هذه المرابطة بمراقبة الأعمال على الدوام ، فلنذكر تفصيل ما أورده مشايخ السادة النقشبندية قدس اللّه أرواحهم الزكية في هذا الباب ، فإنهم أحظى الناس بهذه المرابطة دون سائر أرباب السلوك .
اعلم أنهم قالوا : إن المراقبة نسبة زكية وعبودة خفية ، فمن تحقق بها نور اللّه قلبه بنور المعرفة وشرح صدره بكشف الحقيقة ، فلم تخطىء فراسته ولم تبطىء مكاشفته وصح له التصريف في عالمي الملك والملكوت والتقريب في حضرة الجبروت ، وحسنت معاملته مع اللّه تعالى في جميع الحالات ، وتمت له عمارة الأوقات . لكونها أعظم العبادات كانت خواص الصحابة يشتغلون بدوامها في سائر الحالات وهي من الطرق الموصلة إلى المشاهدات وهي على ثلاثة أنواع : الأول : استدامة العلم باطلاع الحق عليه في جميع الأحوال مع مراعاة الاتباع بجميع الأحكام . الثاني : مطالعة أثمار الأسماء والصفات والمسارعة إلى اللّه بالوصول بجميع العبادات . الثالث : مكاشفة أسرار حقائق الأسماء والصفات ومشاهدة أنوار تجليات الذات ، وهذا النوع درجة الولاية الصغرى وهو غاية ما يبلغه السالكون بالمراقبة . وفي هذه المراقبة يحصل له مقام الفناء وتنتفي الحالات وتثبت المقامات .
وأما كيفية المراقبة : فأن يكون السالك طاهر الظاهر والباطن والمكان حاضر القلب مع اللّه مرفوعا عن الوساوس والخيالات محفوظا عن سائر المشوشات يجلس مستقبل القبلة على ركبتيه غامض العينين متبرئا عن حوله وقوته ناسيا جميع علمه ومعرفته معطلا حواس ظاهره وقوى باطنه ، ثم يتوجه بالقلب المطلق مع الجذبة الإلهية إلى جناب ذات الحق على طريق الاستهلاك فيه حتى يزول عنه تزاحم الخواطر بالكلية وتغلب روحانيته على جسمانيته ولا ينفك عن هذه الحالة ، فإذا استقرت وكانت له كالصفة اللازمة أمكن له الاستقامة والتقرب بسائر الأعمال ، وفي مقام المراقبة حالة أخرى تسمى عندهم بالوقوف القلبي وهو عبارة عن التوجة إلى حقيقة الروح الإنساني من جهة القلب ، لأن الروح الإنساني محيطة بجميع ما في الحضرة الربوبية إحاطة انطباعية مطابقة للوجود في نفس الأمر ، فمن توجه إلى روحه من قلبه فقد ينكشف له ما في حضرة الربوبية من الأسرار فيصل بذلك إلى معرفة ربه بالمعرفة الشهودية ، لأن حقيقة الروح الإنساني كالمرآة لتلك الحضرة لما فيه من القوة العقلية التي هي جوهر إلهي ، فمن كشف ذلك الجوهر رأى فيه جميع صفات اللّه وأسمائه وذاته تعالى بالانطباع الظلي ، ورأى فيه أيضا جميع الموجودات العقلية والحسية وكيفية الاشتغال بالوقوف القلبي أن يجرد السالك أولا عقله من جميع الإدراكات ، ثم يعطل جميع قواه وحواسه عن أحكامها ، ثم يسلخ نفسه عن الهيكل الجسماني ، وبعد ذلك يتوجه بالبصيرة إلى حقيقة القلب على طريق الاستغراق والاستهلاك ويداوم على ذلك فكلما يزداد توجهه إلى حقيقة القلب تزداد معرفته لنفسه ، وكلما تزداد معرفته لنفسه تزداد معرفته لربه سبحانه .