شرح
وقال أيضا : حدثنا سليمان ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ويونس ، عن الحسن ، عن الأحنف ، وأنكر يحيى بن معين والدارقطني سماع الحسن عن أبي بكرة ، وقال الدارقطني : بينهما الأحنف . قال : وكذا رواه هشام بن زياد بن المعلى ، عن الحسن ، عن الأحنف ، وذهب غيرهما إلى صحة سماعه من أبي بكرة ، واستدل بما أخرجه البخاري في الفتن في باب قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم « إن ابني هذا سيد » من طريق سفيان عن إسرائيل ، وفيه قال الحسن : ولقد سمعت أبا بكرة قال : بينما النبي صلّى اللّه عليه وسلم يخطب الحديث . قال البخاري ، قال علي بن المديني : إنما صح عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث . وقال أبو الوليد الباجي : المراد بالحسن هنا هو ابن علي بن أبي طالب لا البصري .
قلت : وكلام أبي الوليد هذا مردود ساقط يأباه سياق الحديث كما هو ظاهر عند من تأمله .
قال الحافظ في الفتح : وكان الأحنف أراد أن يخرج بقومه إلى علي بن أبي طالب ليقاتل معه يوم الجمل ، فنهاه أبو بكرة فرجع ، وحمل أبو بكرة الحديث على عمومه في كل مسلمين التقيا بسيفيهما حسما للمادة ، وإلا فالحق أنه محمول على ما إذا كان القتال بينهما بغير تأويل سائغ ، وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بكرة في ذلك وشهد مع علي باقي حروبه ا ه .
واختلف العلماء في القتال في الفتنة فمنع بعضهم القتال فيها وإن دخلوا عليه عملا بظاهر هذا الحديث ، وهو مذهب أبي بكرة وغيره من الصحابة . وقال عمران بن الحصين وابن عمر : لا يدفعها فإن قصدوه دفع عن نفسه . وقال معظم الصحابة والتابعين وغيرهم : بحسب نصر الحق وقتال الباغين وهو الصحيح . قال العيني : وتتأول أحاديث المنع على من لا يظهر له الحق أو على عدم التأويل لواحد منهما ، ولو كان كما قال الأول لظهر الفساد ، والحق الذي عليه أهل السنة الإمساك عما شجر بين الصحابة وحسن الظن بهم والتأويل لهم وإنهم مجتهدون لم يقصدوا معصية اللّه ولا محض الدنيا ، فمنهم المخطىء في اجتهاده والمصيب . وتوقف الطبري وغيره في تعيين المحق منهم ، وصرح بالتعيين الجمهور وقالوا : إن عليا رضي اللّه عنه وأشياعه كانوا مصيبين واللّه أعلم .
وقوله : « إنه كان حريصا على قتل صاحبه » قال بعض العلماء : وفي هذا حجة للباقلاني ومن تبعه أن العزم على الذنب والعقد على حمله معصية بخلاف لهم المعفو عنه ، وللمخالف أن يقول :
هذا فعل أكثر من العزم والمواجهة والقتال . وقال النووي : الصحيح الذي عليه الجمهور أن من نوى المعصية وأصر عليها يكون آثما وإن لم يعملها ولا تكلم . وقال العيني : التحقيق إن عزم على معصية بقلبه ووطن نفسه عليها أثم في اعتقاده وعزمه ، ولهذا جاء بلفظ الحرص فيه ، ويحمل ما وقع من نحو قوله صلّى اللّه عليه وسلم « إن اللّه تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به » وفي الحديث الآخر « إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه » على أن ذلك فيما لو لم يوطن نفسه عليها ، وإنما مر ذلك بفكره من غير استقرار ، ويسمى هذا هما ويفرق بين الهم والعزم ، وإن عزم تكتب سيئة واحدة فإن عملها كتبت معصية ثانية ا ه .