ولا رسول أعدل من الحق ، ولا دليل أنصح من الصدق ، ولا فقر أذل من الطمع ، ولا غنى أشقى من الجمع ، ولا حياة أطيب من الصحة ، ولا معيشة أهنأ من العفة ، ولا عبادة أحسن من الخشوع ، ولا زهد خير من القنوع ، ولا حارس أحفظ من الصمت ، ولا غائب أقرب من الموت . وقال محمد بن سعيد المروزي : إذا طلبت اللّه بالصدق آتاك اللّه تعالى مرآة بيدك حتى تبصر كل شيء من عجائب الدنيا والآخرة . وقال أبو بكر الورّاق : أحفظ الصدق فيما بينك وبين اللّه تعالى والرفق فيما بينك وبين الخلق وقيل لذي النون : هل للعبد إلى صلاح أموره سبيل ؟ فقال :
قد بقينا من الذنوب حيارى * نطلب الصدق ما إليه سبيل
فدعاوي الهوى تخف علينا * وخلاف الهوى علينا ثقيل
شرح
ألين من الرفق ، ولا داء أوجع من الخرق ) بالضم وهو قلة العقل ، ( ولا رسول أعدل من الحق ، ولا دليل أنصح من الصدق ، ولا فقر أذل من الطمع ، ولا غنى أشقى من الجمع ) أي من جمع المال ، ( ولا حياة أطيب من الصحة ، ولا معيشة أهنأ من العفة ، ولا عبادة أحسن من الخشوع ، ولا زهد خير من القنوع ، ولا حارس أحفظ من الصمت ) أي قلة الكلام ، ( ولا غائب أقرب من الموت ) . والمقصود من هذا السياق هو قوله : لا دليل أنصح من الصدق فإن الصدق يتوصل به إلى سائر الخيرات وهو مفتاح باب الحسنات وبه تكمل سائر المقامات ، فهو نعم الدليل الناصح . وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب اليقين من مرسل يحيي بن أبي كثير : الكرم التقوى والشرف التواضع واليقين الغنى .
( وقال محمد سعيد المروزي ) رحمه اللّه تعالى : ( إذا طلبت اللّه بالصدق أفادك اللّه مرآة بيدك حتى تبصر ) بها ( كل شيء من عجائب الدنيا والآخرة ) وهو إشارة إلى أن الصدق مع اللّه في المعاملة يورث تنوير القلب عن الكدورات فتتجلى فيه الأشياء بحقائقها وهو لا يلتفت إليها ، ومصداقه قول اللّه تعالىإِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً[ الأنفال : 29 ] أي نورا تفرقون به بين الحق والباطل . ولفظ القشيري : أعطاك مرآة تبصر فيها ولم يعزه لمحمد بن سعيد .
( وقال أبو بكر الوراق ) رحمه اللّه تعالى له ذكر في الرسالة في باب الحياء : ( احفظ الصدق فيما بينك وبين اللّه تعالى ، والرفق فيما بينك وبين الخلق ) فكلاهما أصلان أصيلان في الوصول إلى اللّه تعالى .
( وقيل لذي النون ) المصري رحمه اللّه تعالى : ( هل للعبد إلى صلاح أموره سبيل ؟ فقال ) منشدا :( قد بقينا مذبذبين حيارى * نطلب الصدق ما إليه سبيل
فدعاوي الهوى تخف علينا * وخلاف الهوى علينا ثقيل )