شرح
قيل لأنه يدل على معرفته بنفسه وعلى معرفته بربه وجماله وجلاله فهو شديد الازراء على نفسه لهج الثناء على ربه . وقال أبو يزيد : إنما نالوا المعرفة بتضييع مالهم والوقوف مع ماله يريد تضييع حظوظهم والوقوف مع حقوق اللّه تعالى ، وقال الآخر : لا يكون العارف عارفا حتى لو أعطي ملك سليمان لم يشغله عن اللّه طرفة عين ، وهذا يحتاج إلى شرح فإن ما هو دون ذلك يشغل القلب ، لكن إذا كان إشغاله بغير اللّه للّه فذلك اشتغال باللّه . وقال ابن عطاء : المعرفة على ثلاثة أركان : الهيبة والحياء والأنس ، وقيل : العارف ابن وقته وهذا أحسن كلام وأخصره فهو مشغول بوظيفة وقته عما مضى وصار في العدم عما لم يدخل بعد في الوجود فهمه عمارة وقته الذي هو مادة حياته الباقية .
ومن علاماته أنه يستوحش ممن يقطعه عنه ، ولهذا قيل : العارف من أنس باللّه فأوحشه من الخلق ، وافتقر إلى اللّه فأغناه عنهم ، وذل للّه فأعزه فيهم ، وتواضع للّه فرفعه بينهم ، واستغنى باللّه فأحوجهم إليه ، وقيل : العارف فوق ما يقول والعالم دون ما يقول . يعني أن العالم علمه أوسع من حاله وصفته والعارف حاله وصفته فوق كلامه وخبره . وقال أبو سليمان الداراني : إن اللّه يفتح للعارف على فراشه ما لا يفتح له وهو قائم يصلي ، وقال ذو النون : لكل شيء عقوبة وعقوبة العارف انقطاعه عن ذكر اللّه . وقال بعضهم : رياء العارفين أفضل من إخلاص المريدين ، وهذا كلام ظاهر منكر محتاج إلى شرح ، فإن العارف لا يرائي المخلوق طلبا للمنزلة في قلبه ، وإنما يكون ذلك منه نصيحة وإرشادا وتعليما فهو يدعو إلى اللّه بعلمه كما يدعو إلى اللّه بقوله ، وإخلاص المريد مقصور على نفسه ، وقال ذو النون : الزهاد ملوك الآخرة وهم فقراء العارفين ، وسئل الجنيد عن العارف فقال : لون الماء لون إنائه ، وهذه كلمة رمز بها إلى حقيقة العبودية ، وهو أنه يتلون في أقسام العبودية فبينا تراه مصليا إذ رأيته ذاكرا أو قارئا ومتعلما ومعلما ومجاهدا وحاجا ومساعدا للضعيف ومعينا للملهوف ، فيضرب في كل غنيمة بسهم ، فهو مع المنتسبين منتسب ، ومع المتعلمين متعلم ، ومع الغزاة غاز ، ومع المصلين مصل ، ومع المتصدقين متصدق . وهكذا ينتقل في منازل العبودية من عبودية إلى عبودية ، وهو مستقيم على معبود واحد لا ينتقل عنه إلى غيره . وقال يحيى ابن معاذ : العارف كائن بائن ، وقد فسر كلامه على وجوه : منها أنه كائن مع الخلق بظاهره بائن عن نفسه ، ومنها أنه كائن مع أبناء الآخرة بائن عن أبناء الدنيا ، ومنها أنه كائن مع اللّه بموافقته بائن عن الناس بمخالفته ، ومنها أنه داخل في الأشياء خارج عنها يعني المريد لا يقدر على الدخول فيها والعارف داخل فيها خارج منها . وقال ذو النون : علامة العارف ثلاثة لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ، ولا يعتقد باطنا من العلم ينقص عنه ظاهرا من الحكم ، ولا يحمله كثرة نعم اللّه على هتك أستار محارم اللّه ، وهذا أحسن ما قيل في المعرفة . وقال : ليس بعارف من وصف المعرفة عند أبناء الآخرة ، فكيف عند أبناء الدنيا ؟ يريد أنه ليس من المعرفة وصف المعرفة لغير أهلها سواء كانوا عبادا أو من أبناء الدنيا . وسئل ذو النون عن العارف قال : كان ههنا وذهب ، فسئل الجنيد عن معناه فقال : لا يحصره حال عن حال ولا يحجبه منزل عن الشغل في المنازل ، فهو مع أهل كل منزل على الذي هم فيه يجد مثل الذي يجدون وقال بعض السلف : نوم العارف يقظة وأنفاسه تسبيح