تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 606

مساهمون:

ص٦٠٦
شرح
ونومه أفضل من صلاة الغافل ، وإنما كان نومه يقظة لأن قلبه حي فعيناه تنامان وروحه ساجدة تحت العرش بين يدي ربها ، وإنما كان نومه أفضل من صلاة الغافل ، لأن بدنه في الصلاة واقف وقلبه يسبح في حشوش الدنيا والأماني ، وقيل : مجالسة العارف تدعوك من ست إلى ست : من الشك إلى اليقين ، ومن الرياء إلى الإخلاص ، ومن الغفلة إلى الذكر ، ومن الرغبة في الدنيا إلى الرغبة في الآخرة ، ومن الكبر إلى التواضع ، ومن سوء الظن إلى النصيحة انته كلام صاحب البصائر . وزاد القشيري في الرسالة ، وقال الشبلي ، وقد سئل عن المعرفة : أولها اللّه وآخرها ما لا نهاية له . وقال أبو حفص الحداد : منذ عرفت اللّه تعالى ما دخل قلبي حق ولا باطل ، وهذا في ظاهره أشكال وأجل ما يحتمله أن عند القوم المعرفة توجب غيبة العبد عن نفسه لاستيلاء ذكر الحق عليه ، فلا يشهد غير اللّه ولا يرجع إلى غيره ، كما أن العاقل يرجع إلى قلبه وتفكره وتذكره فيما يسنح له من أمر ويستقبله من حال ، فالعارف رجوعه إلى ربه فإذا لم يكن مشتغلا بربه لم يكن راجعا إلى قلبه ، وكيف يدخل المعنى قلب من لا قلب له ، وفرق بين من عاش بقلبه وبين من عاش بربه . وسئل أبو يزيد عن المعرفة فقالإِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً[ النمل : 34 ] هذا معنى ما أشار إليه أبو حفص . وقال أبو يزيد للخلق أحوال ولا حال للعارف لأنه محيت رسومه وفنيت هويته لهوية غيره وغيبت آثاره بآثار غيره . وقال الواسطي : لا تصح المعرفة وفي العبد استغناء باللّه وافتقار إليه . أراد بهذا أن الافتقار والاستغناء باللّه من أمارات صحو العبد وبقاء رسومه لأنها من صفاته ، والعارف محى في معروفه فكيف يصح له ذلك وهو لاستهلاكه في وجوده أو لاستغراقه في شهوده ، وإن لم يبلغ الوجود مختطف عن إحساسه ، فكل وصف هو له ، ولهذا قال الواسطي أيضا لا من عرف اللّه انقطع به بل خرس وانقمع ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم « لا أحصي ثناء عليك » هذه صفات الذين بعد مرماهم ، فأما من نزلوا عن هذا الحد فقد تكلموا في المعرفة وأكثروا . وقيل : من عرف اللّه ذهبت عنه رغبة الأشياء وكان بلا فصل ولا وصل ، وقيل : المعرفة توجب الحياء والتعظيم ، كما أن التوحيد يوجب الرضا والتسليم . وقال ذو النون : معاشرة العارف كمعاشرة اللّه تعالى يحتملك ويحلم عنك تخلقا بأخلاق اللّه عز وجل ، وسئل ابن يزدانيار : متى يشاهد العارف الحق ؟ فقال : إذا بدأ الشاهد وفنيت الشواهد وذهبت الحواس واضمحل الإخلاص . وقال الحلاج : علامة العارف أن يكون فارغا من الدنيا والآخرة . وقال سهل : غاية المعرفة شيئان الدهش والحيرة . وقال ذو النون : أعرف الناس باللّه أشدهم تحيرا فيه . وقال رجل للجنيد : من أهل المعرفة أقوام يقولون بترك الحركات من باب البر والتقوى . فقال : هذا قول قوم تكلموا باسقاط الأعمال وهو عندي عظيم ، والذي يسرق ويزني أحسن حالا من الذي يقول هذا ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البرذرة ، وقيل لأبي يزيد : بما ذا نلت هذه المعرفة ؟ فقال : ببطن جائع وبدن عار ، وقال أيضا : العارف طيار والزاهد سيار ، وقيل : العارف تبكي عينه ويضحك قلبه . وقيل : العالم يقتدى به والعارف يهتدى به . وقال الشبلي : العارف لا يكون لغيره
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 606 | مرتضى الزبيدي