تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 550

مساهمون:

ص٥٥٠
فإن قلت : فقد وردت الآيات والأخبار بالرضا بقضاء اللّه تعالى ، فإن كانت المعاصي بغير قضاء اللّه تعالى فهو محال وهو قادح في التوحيد ، وإن كانت بقضاء اللّه تعالى فكراهتها ومقتها كراهة لقضاء اللّه تعالى ، وكيف السبيل إلى الجمع وهو متناقض على هذا الوجه ، وكيف يمكن الجمع بين الرضا والكراهة في شيء واحد ؟ فاعلم أن هذا مما يلتبس على الضعفاء القاصرين عن الوقوف على أسرار العلوم ، وقد التبس على قوم حتى رأوا السكوت عن المنكرات مقاما من مقامات الرضا وسموه حسن خلق وهو جهل محض ، بل نقول : الرضا والكراهة يتضادان إذا تواردا على شيء واحد من جهة واحدة على وجه واحد ، فليس من التضاد في شيء واحد أن يكره من وجه
شرح
عند الركن والمقام يعبد اللّه عز وجل عمره يصوم نهاره ويقوم ليله ثم لقي اللّه عز وجل ليس في قلبه محبة وموالاة لأولياء اللّه ولا بغض ولا معاداة لأعدائه لما نفعه ذلك شيئا ، وقد جاء نحوه وبمعناه عن عمر وغيره : إن أحدهم ليشيب في الإسلام ولم يوال في اللّه تعالى ولم يعاد فيه عدوا ، وذلك نقص كبير . وفي معنى قوله « أوثق عرى الإيمان » الخ وجه خفي هو أن يحبك المؤمنون ويبغضك المنافقون فتكون ذلك علامة وثيقة عروة إيمانك لأن قوله : الحب في اللّه يصلح أن تحب أنت ويصلح أن يحبك المؤمنون ، وكذلك البغض في اللّه يصلح أن يبغضك المنافقون كما تبغضهم أنت ، فكأنك تتحبب إلى المؤمنين حتى يحبوك وتتبغض إلى المنافقين حتى يبغضوك بالتباعد عنهم وبترك الموالاة لهم وبنصحك إياهم ، فيدل ذلك على قوة إيمانك لأنك لم تأخذك في اللّه لومة لائم منهم ، كما وصف بذلك من يحبهم ويحبونه ويكون ذلك أبعد لك من المداهنة والنفاق وأقرب إلى الصدق والإخلاص والورع ، فإذا فعلت ذلك بهم أبغضوك ومقتوك فتظفر بما تريد وتدرك ما تحب داخلا عليك بوصفهم ؛ فهذا على معنى قوله عز وجلأَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ[ الفتح : 29 ]أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ[ المائدة : 54 ] ( فإن قلت : فقد وردت الآيات والأخبار بالرضا بقضاء اللّه تعالى ) وأنه مطلوب ، ( فإن كانت المعاصي بغير قضاء اللّه فهو محال وهو قادح في التوحيد ، وإن كانت بقضاء اللّه تعالى فكراهتها ومقتها كراهة لقضاء اللّه تعالى ، وكيف السبيل إلى الجمع وهو متناقض على هذا الوجه ، وكيف يمكن الجمع بين الرضا والكراهة في شيء واحد ؟ ) ( فاعلم أن هذا مما يلتبس على الضعفاء القاصرين عن الوقوف على أسرار العلوم ) العاجزين عن فهمها : ( وقد التبس على قوم حتى رأوا السكوت على المنكرات مقاما من مقامات الرضا وسموه حسن خلق ) وليس منه ( وهو جهل محض ، بل نقول : الرضا والكراهة يتضادان إذا تواردا على شيء واحد من جهة واحدة على وجه واحد ، وليس من المتضاد في شيء واحد أن يكون من وجه يرضى به من وجه ، إذ قد يموت عدوك الذي هو