تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 475

مساهمون:

ص٤٧٥
فيقتضي هيجان الحب وهي أوصاف اللطف والرحمة والحكمة ، فمن أوصافه ما يلوح فيورث السلو كأوصاف الجبرية والعزة والاستغناء ، وذلك من مقدمات المكر والشقاء والحرمان . ثم خوف الاستبدال به بانتقال القلب من حبه إلى حب غيره ، وذلك هو المقت والسلو عنه مقدمة هذا المقام والاعراض والحجاب مقدمة السلو وضيق الصدر بالبر وانقباضه عن دوام الذكر وملاله لوظائف الأوراد أسباب هذه المعاني ومقدماتها . وظهور هذه الأسباب دليل على النقل عن مقام الحب إلى مقام المقت - نعوذ باللّه منه - وملازمة الخوف لهذه الأمور وشدة الحذر منها بصفاء المراقبة دليل صدق الحب ، فإن من أحب شيئا خاف لا محالة فقده فلا يخلو المحب عن خوف إذا كان المحبوب مما يمكن فواته . وقد قال بعض العارفين من عبد اللّه تعالى بمحض المحبة من غير خوف هلك بالبسط والإدلال ، ومن عبده من طريق الخوف من غير محبة انقطع عنه بالبعد
شرح
والحكمة ) فأحببته وأنت لا تدري كيف أحببته لأنه أشهده وصفه به باطلاع القدرة عن حنان الرحمة واللطف فاقتضاك الحب له فوجدت نفسك محبا له ؛ ( فمن أوصافه ما يلوح فيورث السلو كأوصاف الجبرية والعزة والاستغناء ) فترجع المحبة كما جاءت فحجبك عنه عن فعل مكروه يبدو لك منه ظهر عن وصف الكبر والجبرية فتجد قلبك ساليا عنه بلا حول ولا قوة منك ولا اجتلاب ولا حيلة ، وهذا لا يصفه إلا عارف بدقيق بلائه ولا يحذره إلا خائف من خفي مكره وابتلائه ، فإذا سلوت به عنه كان ذلك دليلا على أنه قد رفضك وإطرحك ، كما أنك إذا كنت تحبه إنما أحببته به ، ( وذلك من مقدمات المكر ) الذي يحيق بالممكور ( و ) هو درك ( الشقاء والحرمان ) الذي أدرك المغرور ، ( ثم ) أشد من هذا كله ( خوف الاستبدال به بانتقال القلب من حبه إلى حب غيره ) وإنما كان أشد لأنه لا ثنوية فيه ( وذلك هو المقت ) وهذا هو حقيقة الإستدراج يقع عن نهاية المقت من المحبوب وغاية البغض منه والبعد ، ( والسلو مقدمة هذا المقام ، والإعراض والحجاب مقدمة السلو ) أي بداية ذلك كله ، ( وضيق الصدر بالبرد وانقباضه عن دوام الذكر وملاله لوظائف الأوراد أسباب هذه المعاني ) المبعدة والمدارج المدرجة إذا قويت وتزايدت أخرجت إلى هذا كله ، وإذا تناقضت وبدل بها الصالحات والحسنات أدخلت في مقام المحبة والقربات كما جاء به الخبر : « التائب حبيب اللّه » كذلك في تدبر الخطاب أن العاكف على هواه مقيت اللّه ، ( وظهور هذه الأسباب ) فيك ووجد هذه الأوصاف منك ( دليل على ) ما غاب عنك من الاستبدال والإسقاط الذي هو ( النقل عن مقام الحب إلى مقام المقت . نعوذ باللّه منه ، وملازمة الخوف ) من هذه المعاني ( لهذه الأمور وشدة الحذر منها بصفاء المراقبة دليل على صدق الحب ) وعلامة المعرفة بأخلاقه المكونة المقلبة ، ( فإن من أحب شيئا خاف لا محالة فقده فلا يخلو الحب عن خوف إذا كان المحبوب مما يمكن فواته . وقد قال بعض العارفين : من عبد اللّه تعالى بمحض المحبة من غير خوف هلك بالبسط
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 475 | مرتضى الزبيدي