ثم خوف السلو عنه فإن المحب يلازمه الشوق والطلب الحثيث فلا يفتر عن طلب المزيد ولا يتسلى إلا بلطف جديد ، فإن تسلى عن ذلك كان ذلك سبب وقوفه أو سبب رجعته . والسلو يدخل عليه من حيث لا يشعر كما قد يدخل عليه الحب من حيث لا يشعر ، فإن هذه التقلبات لها أسباب خفية سماوية ليس في قوة البشر الاطلاع عليها ، فإذا أراد اللّه المكر به واستدراجه أخفى عنه ما ورد عليه من السلو فيقف مع الرجاء ويفتر بحسن النظر أو بغلبة الغفلة أو الهوى أو النسيان ، فكل ذلك من جنود الشيطان التي تغلب جنود الملائكة من العلم والعقل والذكر والبيان ، وكما أن من أوصاف اللّه تعالى ما يظهر
شرح
القوت وقال : معناه لا يملك إلا واحد تكون عبدا له حرا مما سواه ولا تملك شيئا فإن الأشياء في خزانة مليكها فلا تتملكها فتحجبك عن مالك وتأسرك بمقدار ما ملكتها ، وقد ضرب اللّه مثلا بينه وبين خلقه أن رجلين أحدهما فيه شركاء متشاكسون متشاحون عليه من أهل ومال وشهوات كل واحد يجذبه إليه ويريد نصيبه منه ويشغله به ويحب فراغه له ، وآخر سالما من الشركاء خالصا من الشرك متوحدا لواحد ، إنهما لا يستويان في قوله :ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِعلى إتقان صنعه وتحسين خلقهبَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ[ الزمر : 29 ] أي الأكثر ليسوا علماء لهذا الواحد فتنافسوا في واحدة وسلكوا شاكلة توحيده .
( ثم ) أشد منه ( خوف السلو عنه ) وهذا أخوف ما يخافون ، ( فإن المحب يلازمه الشوق والطلب الحثيث فلا يفتر عن طلب المزيد ولا يتسلى إلا بلطف جديد ، فإن تسلى عن ذلك كان ذلك سبب وقوفه أو سبب رجعته ) لأن حب المحبين له كان به لا بهم ومنه لا منهم وهو نعمة عظيمة لا يعرف قدرها ، فكيف يشكر عليها ولا يقوم لها شيء وكذلك سلوهم عنه يكون به كما كان حبهم له به ، ( والسلو يدخل عليه من حيث لا يشعر ، كما قد يدخل عليه الحب من حيث لا يشعر ) فيجد السلو به كما كان يجد الحب ، فتكون قد سلوت عنه وأنت لا تدري كيف سلوت لأنه يدرجك بما يخدعك به من الاستبدال منه بما تدري ، ( فإن هذه التقلبات لها أسباب خفية سماوية ليس في قوة البشر الاطلاع عليها ) فأنت لا تفطن ذلك ، ( وإذا أراد اللّه المكر به واستدراجه أخفى عنه ما ورد عليه من السلو فيقف مع الرجاء ويفتر بحسن الظن ) الذي كان يعهده منه ( أو تغلبه الغفلة أو الهوى ) والشهوة ( أو النسيان ، فكل ذلك من جنود الشيطان ) في الأرض ( التي تغلب ) أضدادها من ( جنود الملائكة ) في السماء ( من العلم والعقل والذكر والبيان ) قال اللّه تعالى :فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُالآيةعَزِيزٌلا يوصل إليه إلا بهحَكِيمٌ[ البقرة : 209 ] عليكم بالزلل منه إلا أنه يدرج في ذلك استدراجا بلطائف الحكمة على معهد الحكمة على معهد الأسباب ومألوف المعتاد . ( وكما أن من أوصاف اللّه تعالى ما يظهر فيقتضي هيجان الحب وهي أوصاف اللطف والرحمة