تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
بيان معنى الشوق إلى اللّه تعالى : اعلم أن من أنكر حقيقة المحبة للّه تعالى فلا بدّ وأن ينكر حقيقة الشوق ، إذ لا يتصور الشوق إلا إلى محبوب ونحن نثبت وجوب الشوق إلى اللّه تعالى ، وكون العارف مضطرا إليه بطريق الاعتبار والنظر بأنوار البصائر وبطريق الأخبار والآثار . أما الاعتبار فيكفي في إثباته ما سبق في إثبات الحب ، فكل محبوب يشتاق إليه في غيبته لا محالة ، فأما الحاصل الحاضر فلا يشتاق إليه ، فإن الشوق طلب وتشوف إلى أمر والموجود لا يطلب . ولكن بيانه أنّ الشوق لا يتصوّر إلا إلى شيء أدرك من وجه ولم يدرك من وجه ، فأما ما لا يدرك أصلا فلا يشتاق إليه ، فإنّ من لم ير شخصا ولم يسمع وصفه لا يتصوّر أن يشتاق إليه ، وما أدرك بكماله لا يشتاق إليه ، وكمال الإدراك بالرؤية ، فمن كان في مشاهدة محبوبه مداوما للنظر إليه لا يتصوّر أن يكون له شوق ، ولكن الشوق
شرح

[ في الشوق ]

بيان معنى الشوق إلى اللّه تعالى :

وهو ثمار المحبة . وسئل ابن عطاء الشوق أعلى أم المحبة ؟ فقال : المحبة لأن الشوق منها يتولد وهو أفضل من الأنس ، ولذلك قدمه لأن الآنس قصر نظره على ما انكشف من جمال المحبوب ولم يمتد نظره إلى استكشاف ما غاب عنه ، والمشتاق كالعطشان الذي لا ترويه البحار لمعرفته بأن الذي انكشف له من الأمور الإلهية بالنسبة إلى ما غاب عنه كالذرة بالنسبة إلى سعة الوجود ، وللّه المثل الأعلى . ( اعلم ) وفقك اللّه ( أن من أنكر حقيقة المحبة للّه تعالى فلا بد وأن ينكر حقيقة الشوق ) إلى اللّه تعالى ، ( إذ لا يتصور الشوق إلا إلى المحبوب ) فإذا انتفت المحبة انتفى ما هو من ثمارها إذ لا محالة أن الثمرة تبع للمثمر ، ( ونحن نثبت وجوب الشوق إلى اللّه تعالى ) بايجاب أصل المحبة ، ( وكون العارف مضطرا إليه بطريق الاعتبار فيكفي في إثباته ما سبق في اثبات الحب ، فكل محبوب يشتاق إليه في غيبته لا محالة ، فأما الحاصل الحاضر فلا يشتاق إليه فإن الشوق طلب وتشوق إلى طلب أمر ) ونزول النفس إليه ( والموجود لا يطلب ) ولا تتشوق إليه النفس ، ( ولكن بيانه أن الشوق لا يتصور إلا إلى شيء أدرك من وجه ولم يدرك من وجه ، فأما ما لا يدرك أصلا فلا يشتاق إليه ) لانقطاع الأطماع منه ، ( فإن من لم ير شخصا ولم يسمع وصفه لا يتصور أن يشتاق إليه وما أدرك بكماله لا يشتاق إليه وكمال الإدراك بالرؤية ) بحاسة البصر ، ( فمن كان في مشاهدة محبوبه مداوما للنظر إليه لا يتصور أن يكون له شوق ) . روى القشيري عن بعضهم : الشوق لهيب ينشأ بين أثناء الحشا يسنح على الفرقة فإذا وقع اللقاء طفئ ، وإذا كان الغالب على الأسرار مشاهدة المحبوب لم يطرقها الشوق وقيل