شرح
وجميع قواه ، كما ورد في الخبر : إنما نحن به وله وهويته الدائرة الوجودية والصاعد في الدائرة معنى الهابط وما انقسما دائرة الوجود إلا بالخط الموهوم ولا وجود لها وهو عين المقيد ، وإذا كان الحق سمع المقيد وبصره ارتفع التقييد والخط ولم يبق سوى الدائرة ، فهو الظاهر بنفسه لنفسه والمظهر لغيره ولكمال ظهوره وجلاله بروزه أورثت شدة طهوره خفاء ، فسبحان من احتجب باشراق نوره واختفى عن العقول والأبصار لشدة ظهورها ، وأما سر بطون الحق من اسم الباطن فهو أن يعلم أن رؤية الشيء تقتضي العلم به وهو علم الرائي أنه رأى شيئا ما وأحاط علما بما رآه وعند أهل لا تنضبط رؤية الحق وما لا ينضبط لا يقال فيه أنه يرى أو يعلم ، فما رآه إلا من رأى أنه ما رآه ، ولا يعلمه إلا من علم أنه ما علم ، فالحجب الإلهية أبدا مسدولة بينه وبين خلقة ولو رفعت لأحرقت سبحات الوجه ما أدركه بصره من خلقه ، والحجب إن كانت مخلوقة فكيف لا تحرقه السبحات ، وإن كانت غير مخلوقة فلا حجاب ولا احتجاب ، فالحق فيها أنها سر أخفاها اللّه تعالى عن خلقه سمي ذلك الاخفاء حجابا ، فالنور منها ما حجب من المعارف النظرية ، والظلمانية ما حجبت به الأمور الطبيعية والرسمية وليس إلا اندراج النور الأدنى في الأعلى كاندراج أنوار الكواكب تحت شعاع الشمس ، ولما كانت الأشياء تتحفظ بالحدود فإذا جاوز الشيء حده انعكس ضده ، كذلك ظهور الحق لما تجاوز عن حد القول والإدراك بطن واستتر عن العامة فلم يظهر لهم الأمر على ما هو عليه ، وحد العارفين في معرفته أن يعرفوا أنه لا يعرف إذ لو عرفوا لم يكن باطنا وهو الباطن ، والبطون يختص بالممكنات ، كما أن الظهور يختص بالوجود ، والبطون الذي وصف به نفسه إنما هو في حق الممكن فالممكنات باطن الحق والحق ظاهره لأنه من بطون الحق ظهر الكون ، وبما ظهر استتر وفيما بطن ظهر ، فالظهور عين البطون لما أن الآخر عين الأول انته . وقد انته الكلام على المحبة وما يتعلق بها .
ثم شرع المصنف في ذكر ما يثمر المحبة من الشوق والأنس والرضا وغير ذلك مما سيأتي بيانه ، إلا أن صاحب القوت جعل الرضا مقاما من مقامات اليقين ، كمقام المحبة . والشيخ أبو إسماعيل الهروي جعله ملحقا بمقام التوكل كالتسليم والتفويض قال : لأنها من آدابه ، وذكر جملة أحوال في باب المحبة وعدها مقامات على طريق منازلات العبد إلى اللّه تعالى وفي اللّه تعالى حالا بعد حال ، وهذا وسمه البرق والوجد والذوق واللحظ والوقت والصفاء والنفس والفرق والغيب والسكن والفناء والبقاء والوجود والجمع والتعظيم والأنس والقرب والسكينة والطمأنينة والانبساط والإذلال والغيرة والشوق والوجد ، وله أحوال ثلاثة : الدهش والهيجان والتمكين ، قال الكمال محمد بن إسحاق الصوفي :
وهذا الترتيب أولى من ترتيب غيره لأنه يحصل الجمع بين معرفتها وبين علم تدريجها في السلوك والمنازلات ، واللّه سبحانه يفتح على كل عبد من عبيده من تقديم وتأخير ، وقد يعطي اللّه العارفين واحدا منها وقد يعطيه كلها ويعطى أضعافها إلى ما لا نهاية له مما لا نعرف له وجودا ولا رأينا له رسما ولا سمعنا له ذكرا . قال تعالىوَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ[ الحجر : 21 ] .