شرح
المظلم المحجوب عنها ، فعرف وجود النور بعدم النور إذا أضيف حالة الوجود إلى حالة العدم ، فأدركت التفرقة مع بقاء الألوان في الحالتين . ولو أطبق نور الشمس كل الأجسام الظاهرة لشخص ولم تغب الشمس عنه حتى تدرك التفرقة لتعذر عليه معرفة كون النور شيئا موجودا زائدا على الألوان ، مع أنه أظهر الأشياء بل هو الذي يظهر جميع الأشياء ، ولو تصور للّه تعالى غيبة عن بعض الأمور لانهدمت السماوات والأرض ، وكلما انقطع نوره عنه ولأدركت التفرقة بين الحالتين وعلم وجوده قطعا ، ولكن لما كانت الأشياء كلها متفقة في الشهادات والأحوال كلها مطردة على نسق واحد كان ذلك سببا لخفائه ، فسبحان من احتجب عن الخلق بنوره وخفي عليهم بشدة ظهوره ؛ فهو الظاهر الذي لا أظهر منه والباطن الذي لا أبطن منه انته .
وقال الشيخ الأكبر قدس سره في أول حقائق الأسماء : لما ذكر أن الملأ الأعلى يطلبونه قال :
فاشترك نوع الانسان مع الملأ الأعلى في الطلب واختلفا في الكيفية ، فإنهم يطلبونه بالأنوار العقلية لكونهم عقولا مجردة وهو جلت عظمته محتجب عن العقول فأنى لهم ذلك . قال : ومن هذا النوع من يطلبه به لكون الحق سمعه وبصره ، ومنهم من يطلبه بنظره العقلي . وطالب الدليل على صحة وجدان أهل الطريقة كطالب الدليل على حلاوة العسل ولذة الجماع من العنة ، وهذا شيء لا يقوم عليه دليل سوى الذوق ، وفيما جرى بين الخضر وموسى عليهما السلام تبصرة لأولي الأبصار ، فالوصول إلى معرفة الذات المتعالية لا يمكن للعقل من حيث النظر لا يزيد الناظر إلا حيرة ، وإنما يعلم باعلام الحق على الوجه الذي يليق بحاله لمن اختصه من عباده ، فمن قال : إن الحق جلت عظمته يعرف بدليل فإنه يضرب في حديد بارد ، ومن هذا قال : من قال : العلم حجاب .
قلت : يريد بهذا القائل المصنف كما صرح به في كتاب الشريعة انته .
قال : يريد العلم النظري فأهل اللّه علموا الحق بإعلامه تعالى لكون الحق علمهم لما كان سمعهم وبصرهم ، ومثل هؤلاء لو تصور فهم نظر فكري لكان الحق عين فكرهم ، لكن لا يتصور ممن يكون مشهدة هذا أن يكون له فكر ، بل هو مع الفهم من ضروب إلهام الحق من غيره تفكر لاستهلاك صفاته في صفات الحق ، ومن كان فهمه عن تفكر فما هو من أهل الذوق ، ثم قال عند ذكره الظاهر الباطن الظاهر لنفسه فما زال ظاهرا والباطن عن خلقه فلم يزل باطنا ، فهو الظاهر بالكفاية والباطن بالعناية . اعلم أن لأهل الكشف مرتبتين : إحداهما أعلى من الثانية ، فكامل يكون له به وهو السابق وعارف يكون له بنفسه وهو المقصد المتحقق بحقائق العبودية المتصف بجميع الأحوال والمتقلب في أطوار المقامات وهو برزخ بين الكمال والنقصان ، فهو إذا تجلى له الحق من اسم الظاهر لم يثبت لظهوره لأنه قائم للحقوق بنفسه ولم يثبت لظهور الحق إلا من الحق بصره ؛ وأما الكامل فهو له به لا بنفسه فله الثبات في كل موطن بالقوة الإلهية السارية في ذاته فلا يبقى حال ولا مقام يظهر به ويتصرف فيه ، فهو مالك الأحول والمقامات لكون الحق سمعه وبصره