شرح
ثم قال : والكلام في التجلي والاحتجاب والجمع والاتصال لا أرسمه في كتاب ، لأنه يؤدب لعقول فتنفر منه فتطرحه ، وتضيق عنه القلوب فتقبض عليها فتمجه ، وإنما أمليه من قلب إلى قلب أوعيه من عين إلى عين .
وقال المصنف في المقصد الأسنى : الظاهر الباطن وصفان من المضافات ، فإن الظاهر يكون ظاهرا من وجه وباطنا من وجه ، ولا يكون من وجه واحد ظاهرا وباطنا ، بل يكون ظاهرا من وجه وبالإضافة إلى إدراك ، وباطنا من وجه آخر وبالإضافة إلى إدراك ، فإن الظهور والبطون إنما يكون بالإضافة إلى الإدراكات ، واللّه سبحانه باطن إن طلب من إدراك الحواس وخزانة الخيال ظاهران طلب من خزانة العقل بطريق الاستدلال .
فإن قلت : أما كونه باطنا بالإضافة إلى إدراك الحواس فظاهر ، وأما كونه ظاهرا بالإضافة إلى إدراك العقل فغامض ، إذ الظاهر ما لا يتمارى فيه ولا يختلف الناس في إدراكه ، وهذا مما وقع الريب الكثير للخلق فكيف يكون ظاهرا .
فاعلم أنه إنما يخفى مع ظهوره لشدة ظهوره ، فظهوره سبب بطونه ونوره هو حجاب نوره ، فكل ما جاوز عن حده انعكس على ضده ، ولعلك تتعجب من هذا الكلام وتستبعده ولا تفهمه إلا بمثال ، فأقول : لو نظرت إلى كلمة واحدة وكاتب يكتبها لاستدللت على كون الكاتب عالما قديرا سميعا بصيرا ، واستفدت منها اليقين بوجود هذه الصفات لذلك الكاتب ، بل لو وجدت كلمة مكتوبة لحصل لك يقين قاطع لوجود كاتب لها عالم قادر سميع بصير حي ، ولم يدل عليه إلا صورة واحدة ، فكما شهدت هذه الكلمة شهادة قاطعة بصفات الكاتب ، فما من ذرة في السماوات والأرض من فلك وكوكب وشمس وقمر وحيوان ونبات وصفة وموصوف إلا وهي شاهدة على نفسها بالحاجة إلى مدبر دبرها وخالق خلقها وقدرها وخصصها بخصوص من صفاته ، بل لا ينظر الإنسان إلى عضو من أعضاء نفسه وجزء من أجزائه ظاهرا وباطنا بل إلى صفة من صفاته وحالة من حالاته التي تجري عليه قهرا بغير اختياره إلا ويراها ناطقة بالشهادة لخالقها وقاهرها ومدبرها ، وكذلك كل ما يدركه بحواسه في ذاته وخارجا من ذاته ، ولو كانت الأشياء مختلفة في الشهادة يشهد بعضها ولا يشهد بعضها لكان اليقين حاصلا للجميع ، ولكن لما كثرت الشهادات حتى اتفقت خفيت وغمضت لشدة الظهور ، ومثاله أن أظهر الأشياء ما تدركه الحواس فأظهرها ما يدرك بحاسة البصر وأظهر ما يدرك بنور البصر نور الشمس المشرق على الأجسام الذي به يظهر كل شيء ، كيف لا يكون ظاهرا وقد أشكل ذلك على خلق كثير حتى قالوا الأشياء المتلونة ليس فيها إلا ألوانها فقط من سواد وحمرة ، فأما أن يكون فيها مع اللون ضوء ونور مفارق اللون فلا ، وسوى هؤلاء إنما تنبهوا على قيام النور بالمتلونات بالتفرقة التي يدركها بين الظل وموضع النور وبين الليل والنهار ، فإن الشمس لما تصور غيبتها بالليل عرف الفرق بين التأثر المستضيء بها وبين